إعداد الأستاذ: اسماعيل عثمان
الأمين العام لجماعة أنصار السنة المحمدية
ذكرنا سابقا بعض أدلة العلو من القرآن الكريم وها نحن نردفها بشيء مما ورد في السنة المطهرة ، التي تشرح القرآن وتوضحه ونعضده .. ومن أعظم أدلة العلو وأوضحها حديث الجارية المشهور وأبدأ به متأسياً بالسلف في التصدير به.
روي الإمام مسلم في صحيحه عن معاوية بن الحكم السلمى – رضى الله عنه قال : كانت لي غنم بين أحد والجوانيه ( موضع شمال المدينة ) فيها لي جارية فاطلعتها ذات يوم فإذا الذئب قد ذهب منها بشاة وأنا رجل من بنى آدم فأسفت فصككتها فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكرت ذلك له فعظم ذلك علىَّ فقلت : يارسول الله أفلا أعتقها ؟ قال : أدعها فدعوتها فقال لها : أين الله ؟ قالت : في السماء .
قال : ومن أنا ؟
قالت : رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال : (أعتقها فإنها مؤمنة)
ودلالته كالشمس وضوحاً بل وفيه دفع لإنكار من ينكر على أهل السنة السؤال بـ(أين الله) فمن أنكر أنما على الرسول صلى الله عليه وسلم ينكر فلينتبه ، أما من زعم أن الرسول صلى الله عليه وسلم خاطبها على قدر عقلها فهو جاهل بالشرع وجاهل برسوله صلى لله عليه وسلم فكيف يقر الرسول صلى الله عليه وسلم أحداً على باطل ؟ وقد ثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم سأل صحابته مراراً ، مرة عن المفلس فقال : ( أتدرون من المفلس ) قال مرة ( أتدرون من البخيل) ثم يصوِّبهم بيان الصواب ، فحاشاه صلى الله عليه وسلم أن يترك فرداً يقول باطلا ويقره .
أرحموا من في الأرض يرحكم من في السماء:
ومن أدلة السنة على العلو حديث عبدالله بن عمر بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( الراحمون يرحمهم الرحمن أرحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) ، ومن ذلك ما أخرجه الشيخان عن أبي سعيد الخدري قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء ؟ يأتيني خبر السماء صباحا ومساء؟ ) ففي قوله : ( من في السماء ) في الحديثين إشارة إلى رب العزة سبحانه وتعالى كما في آية سورة تبارك ( أءمنتم من في السماء ) على تفسير السلف الصالح.
ومثلها حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( والذي نفسى بيده ما من رجل يدعو امرأته ألى فراشه فتأبي عليه إلا كان الذي في السماء ساخطاً عليها حتى يرضى عنها زوجها) رواه مسلم . وحديث البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يصعد إلى الله إلا طيباً فإنها يتقبلها بيمنه ويربيها لصاحبها حتى تكون مثل الجبل ) والشاهد في قوله : ( ولا يصعد إلى الله .. الخ)، مما يدل بوضوح على علو الرب سبحانه حديث سعد بن أبي وقاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لسعد ابن معاذ ( لقد حكمت فيهم بحكم الملك من فوق سبع سموات) النسائي . وحديث عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (اقبلوا البشرى يا بنى تميم )
قالوا : قد بشرتنا فاعطنا ،
قال : ( اقبلوا البشرى يا أهل اليمن )
قالوا : قد بشرتنا فاقض لنا على هذا الأمر كيف كان؟
فقال كان الله على العرش وكان قبل كل شيء وكتب في اللوح كل شيء يكون ) رواه البخاري.
إلى سدرة المنتهى:
ومما يفيد علو الرب جل وعلا على خلقه حديث الإسراء والمعراج وذلك بصعود النبي صلى الله عليه وسلم ، إلى سدرة المنتهى وهو أمر لا يختلف فيه جمهور المسلمين وعامتهم ولم تنكره الا بعض المعتزلة والعقلانيين كما في حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لما كان ليلة أسري بي انتهيت إلى سدرة المنتهى..) الحديث " لإبن أبي عاصم".
ولعل فيما سردناه كفاية إذ نصوص السنة التي تثبت ذلك أوفر وأكثر والنص أو اثنان يكفيان متبع الرسول الحريص على سنته.
من أقوال الصحابة – رضي الله عنهم:
ولربما ينبرى متحذلق لهذه النصوص التي لا سبيل إلى تضعيفها أو ردها علميا فيزعم أن هذه النصوص مع صحتها إلا أنها لا كما نفهم نحن السلفيون .. بل وربما قال هو فهم فهماً لم يسبق إليه أحد .. ولكن المتتبع لكلام السلف يجد أنهم قد تكلموا في العلو بما لا يترك سبيلاً لمعترض فما أثر عن الصحابة قول الحبر ابن عباس رضى الله عنهما : (الكرسي موضع القدمين والعرش لا يقدر أحد قدره) – حديث صحيح موقوف "التوحيد لابن خزيمة" و "العلو للذهبي " .
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال ( العرش فوق الماء والله فوق العرش لا يخفي عليه شيء من أعمالكم ) السنة لأحمد واللالكائي – العلو ..
ودخل ابن عباس على عائشة رضي الله عنها وهي تموت فقال لها : ( كنت أحب نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن يحب إلا طبيباً وأنزل الله براءتك من فوق سماوات ) العلو - الرد على المريسي ، وقد ثبت عن أم سلمة رضى الله عنها مثل قول الإمام المتقدم في (العلو).
بل وجميع الصحابة كانوا على هذا السبيل الذي هو سبيل المؤمنين المذكور في وقوله تعالى ( ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا).
وقد حافظ على صفاء هذا الاعتقاد حمله العلم من التابعين ومن أخذ عنهم على مر العصور منهم الإمام أبو حنيفة النعمان ، فأقواله في غاية الظهور والقوة – روى أبو مطيع الحكم ابن عبد الله البلخي.
قال: سألت أبا حنيفة عمن يقول لا أعرف ربي في السماء أو في الأرض؟ فقال : قد كفر لأن الله تعالى يقول ( الرحمن على العرش استوى) وعرشه فوق سماواته .. فقلت أنه يقول : أقول على العرش استوى ولكن قال لا يدري العرش في السماء أو في الأرض ؟ قال : ( إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر ) وتقدم ذكر كلام الإمام الشافعي فيقول : ( السنة التي أنا عليها ، ورأيت عليها الذين رأيتهم مثل سفيان ومالك وغيرهما الإقرار بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وأن الله على عرشه في سمائه يقرب من خلقه كيف شاء وينزل إلى السماء الدنيا كيف شاء ..) العلو .
فانظر كيف أردف كلمة التوحيد ببيان العلو ثم قارن بحال الذين يرون أن بيان هذه الفوائد من النوافل والثانويات.
وأخرج ابن أبي حاتم في مناقب الشافعي عن يونس بن عبد الأعلى قال : سمعت الشافعي يقول : ( ولله أسماء وصفات لا يسع أحد ردها ومن خالف بعد ثبوت الحجة فقد كفر وأما قبل قيام الحجة فإنه يعذر بالجهل لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا الرؤية والفكر فنثبت هذه الصفات وننفي عنه التشبيه كما نفي عن نفسه فقال : ( ليس كمثله شيء ) فتح الباري 13/407 .
وللإمام أحمد أقوال كثيرة ، ومحنته في فتنة خلق القرآن مشهورة روى الخلال قال : قيل لأبي عبد الله : الله فوق السماء السابعة على عرشه بائن من خلقه وقدرته وعلمه في كل مكان ؟ قال : ( نعم هو على عرشه ولا يخلو شيء من علمه ) العلو .
هذا بيان لما كان عليه أئمة الهدي من أصحاب المذاهب المتبوعين الذين يقلدهم جل المسلمين في قضايا الفقه والفروع وحري بنا أن نتبعهم في اعتقادهم وأصول ديننا – لذا فالسلفيون هم اتباع الأئمة الحقيقيين دون المقلدة الجامدين ( فأي الفريقين أحق بالأمن) ومنهم الامام على بن المديني شيخ البخاري – قال الحسن بن المديني وأنا أسمع قول أهل الجماعة ؟ قال " يؤمنون بالرؤية وبالكلام وأن الله عز وجل فوق السماوات على عرشه استوى ) فسئل عن قوله تعالى: ( ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم) فقال : اقرأ ما قبله ( ألم تر أن الله يعلم ...) العلو للذهبي .
ومنهم الإمام أبوزرعة الرازي فقد سئل عن تفسير قوله تعالى : ( الرحمن على العرش استوى) فغضب وقال تفسيره كما تقرأ ( هو على عرشه وعلمه في كل مكان من قال غير هذا فعليه لعنه الله )العلو.
الإجماع:
وعن عبد الرحمن بن أبي حاتم قال سألت أبي وأبا زرعة ( كلاهما رازي) رحمهما الله تعالى عن مذهب أهل السنة في أصول الدين وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار ؟ وما يعتقدان من ذلك ؟ فقالا : " أدركنا العلماء في جميع الأمصار فكان من مذاهبهم : أن الإيمان قول وعمل ، يزيد وينقص والقرآن كلام الله غير مخلوق بجميع جهاته ، والقدر خيره وشره من الله تعالى ، وأن الله تعالى على عرشه بائن من خلقه كما وصف نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله بلا كيف – أحاط بكل شيء علماً وليس كمثله شيء وهو السميع البصير" – العلو.
وهذه حكاية للإجماع الذي وقع في عصرهما وقد سبقهما الإمام الأوزاعي وهو من هو في العلم حيث قال : كنا والتابعون متوافرون- نقول : إن الله عز وجل فوق عرشه ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته ( البيهقي "الأسماء و الصفات" – العلو للذهبي.
وقد اجمع خيار الأمة في كل زمان من عهد الصحابة ومن بعدهم على هذه العقيدة ، ومن قال بغيرها فإنه عوزه الحجة وينقصه البرهان ، ولا يجد أحداً من العلماء المعتبرين يقول بخلاف عقيدة السلف..
يظن الكثيرون أنه يقول بخلاف قول السلف ، والتحقيق أن أبا الحسن الاشعري قد رجع إلى عقيدة أهل السنة والجماعة وترك التأويل ورد الصفات والذي ما يزال يتمسك به أدعياء إتِّباعه – وسنفرد كلاماً عن الاشعرية إن شاء الله- المقصود هنا بيان براءة هذا الإمام عما ينسب اليه من عقيدة في العلو – فها هو يقول في كتابه العظيم ( الإبانة عن أصول الديانة) : ( إن الله قائل : ما تقولون في الاستوء ؟ قيل له نقول : إن الله عز وجل يستوى على عرشه كما قال يليق به من غير طول الاستقراء كما قال : ( الرحمن على العرش استوى) ثم ذكر الآيات الدالة على ذلك انظر الإبانة ص 85 وما بعدها.
ثم رد رحمه الله على المعتزلة قولهم بأن معنى استوى هو (استولى) فقال : وقد قال قائلون من المعتزلة والجهمية والحرورية إن قول الله عز وجل ( الرحمن على العرش استوى) إن استولى وملك وقهر وأن الله عز وجل في كل مكان وجحدوا أن يكون الله عز وجل على عرشه كما قال أهل الحق وذهبوا في الاستواء إلى القدرة قال : ( لو كان هذا كما ذكروه كان لا فرق بين العرش والارض السابعة فالله سبحانه قادر عليها وعلى الحشوش وعلى كل ما في العالم فلو كان الله مستويا على العرش بمعنى الاستيلاء وهو عز وجل مستو على الاشياء كلها – لكان مستويا على العرش وعلى الأرض وعلى السماء وعلى الحشوش والاقذار لأنه قادر على الأشياء مسئول عليها واذا كان قادراً على الاشياء كلها ولم يجزعند أحد من المسلمين أن يقول : إن الله عز وجل مستو على الحشوش والأخلية لم يجز أن يكون الاستواء على العرش الاستيلاء الذي هو عام في الأشياء يختص العرش دون الاشياء كلها ) الإبانة 87 .
الفطرة السليمة تدل على العلو:
ونعنى بها ذلك الشعور الذي يحسه الإنسان في داخل نفسه وهو طلبه دائما لجهة العلو واللُّجاة إليها فلا نجد المرء دائماً نحو اليمين أو شمال أو تحت إنما يطلب الإنسان العلو وهو دليل على علو الرب جل وعلا ويقول الإمام أبو الحسن الأشعري : ( ورأينا المسلمين جميعاً يرفعون أيديهم اذا دعوا نحو السماء لأن الله عز وجل مستوىٍ على العرش الذي هو فوق السموات فلولا أن الله عز وجل على العرش ، لم يرفعوا أيديهم نحو العرش كما لا يحطونها اذا دعوا إلى الأرض..) الإبانة 86.
ويروى أن ( الجويني) جلس في حلقة يناقش قضية العلو محاولاً نفيها ، فقال له أبو جعفر الهمداني : دعنا من هذا يا إمام وأخبرنا عن الحاجة التي نجدها في طلب العلو – يعني اللجأة للسماء – فقال : حيرني الهمداني حيرني الهمداني ، ثم نزل وجلس في بيته ينقب ويفكر حتى هداه الله لمنهج السلف .
ذِكرنا لدليل العقل من باب النوافل إذ في النقل الغنية للراشد الشهيد ، وخلاصة دليل العقل ، إننا نلاحظ أن كل موجودين (أثنين) إم أن يكونا متماثلين فيكون أحدهما داخل الآخر ، أو يكونا منفصلين لا يحل أحدهما في الآخر ، فالاحتمال الأول منفى عن الله عز وجل ، فهو لا يحل في شيء من خلقه ولا يحل في شيء من خلقه سبحانه وتعالي فهو منزه عن ذلك.
إذاً بقي الاحتمال الآخر وهو أنه بائن من خلقه وعلى هذا فإما أن يكون الله في العلو أو في السفل ، ونلاحظ أن السفل صفة نقص ، لأن السفل مكان القاذورات والمخلوقات الأرضية الشريرة وغيرها ..
فثبت بذلك علو الرب جل وعلا بالكتاب والسنة واجماع سلف الأمة الصحابة ومن بعدهم وبالفطرة والعقل .
وقد أجاد ابن القيم في كتابه ( اجتماع الجيوش الإسلامية على المعطلة والجهمية ) حيث حشد مختلف الأدلة على ذلك فيُنظر..
حقوق النسخ © بواسطة موقع جماعة أنصار السنة المحمدية بالسودان جميع الحقوق محفوظة.