وحجة القرار 1706
يأتي التدخل الأجنبي وفرض وصاية الأمم المتحدة على دارفور بعد أن جلس الفرقاء واتفقوا على رفع راية السلام، ليصبح واقعا في دارفور. وبرغم عدم انتظام كل الفرقاء في مسيرة السلام إلا أن الناس قد استبشروا به وارتفعت السنتهم بالدعاء بأن تتسع دائرته لتشمل كل المجموعات المسلحة.
ولقد آن للبسطاء من أهل دارفور أن ينعموا بالأمن، فلسنوات قد دفعوا أغلى ما يملكون ليفقدوا أعز ما يملكون في حرب فرضت عليهم، حيث لم يعرفوا الحرب يوما وسيلة لحل خلافاتهم؛ فقد عرف عنهم دوما إيثار المصالحة والحوار والجودية لحل خلافاتهم ونزاعاتهم.
ولكن قوى المصالح الإستعمارية استغلت أجواء الفتنة ونفذت من خلال شعارات القبلية والنعرات العنصرية، فزادت الشقة وعمقت الخلاف واشعلت الفتنة؛ لتنتج الدمار والقتل والتشريد وتهيئ الفرصة للإنقضاض وتحقيق مصالحها. فكل يبكي ليلاه في دارفور .. ولكن دارفور لا تقرهم بذاك !!
إن القرار 1706 قد دفعت به الدول الكبرى عبر العباءة الأممية لفرض الوصاية وسلب الدولة أخص خصائصها: سيادتها على أرضها وحاكميتها على ربوع البلاد. ولعل من أكبر دلالات الوصاية لهذا القرار منح التفويض للتحكم في الشرطة والنظام القضائي السوداني، بجانب تفويض القوات الدولية في استعمال القوة متى ما أرادت. كما يوفر الوجود العسكري الأممي غطاءا للمنظمات المشبوهة وللمخابرات الدولية لتنشط وتندس لتنفيذ أجندتها وتتخفى تحت عباء المنظمة الدولية وتحتمي بحماها.
لقد دفع البسطاء أغلى ما يملكون .. ليفقدوا أعز ما يملكون في حرب أشعلت النعرات العنصرية و التآمر العالمي فتيلهافإذا كان الغرض من القرار المساعدة في تحقيق السلام وحفظ الأمن، فلماذ لا يتم توفير الدعم اللازم للقوات الافريقية الموجودة أصلا في الإقليم لذات الهدف، بحيث تتمكن من خلال الدعم الدولي لها من إكمال مهمتها بدلا من استجلاب قوات جديدة لتحل مكانها. وعدم سلوك هذا النهج المنطقى قد دفع كثير من السودانيين بإعتقاد عدم توفر النوايا الحسنة في القرار، وجعل الناس يذهبون مذاهب شتى في تحليل دوافعه ومراميه.
ولقد كان الأجدر بالأمم المتحدة وعظماء العالم اصدار قرار لإلزام الجميع (دولة ومليشيات) بالسعي للسلم والدفع في إتجاه تقوية اتفاقية السلام في الإقليم من خلال دعمها، وتوفير البيئة الصالحة لتطبيقها، ومساعدة كآفة الأطراف على تطبيقها وتحقيق المصالحة وإعادة الإستقرار، والتفرق لإعمار ما دمرته الحرب.
والسودان ليس في حاجة لقوات أممية أو افريقية لتوفر له الأمن والسلم. فأهله يملكون الأهلية لصنع الأمن والسلام كما صنعوا الحرب. وللقائلين بالحوجة لقوات خارجية لتحفظ الأمن نيابة عن أجهزتنا الأمنية أن يذكروا لنا أنموذجا مقنعا صنعته القوات الدولية في الساحة العالمية اليوم.
إن الوقائع الدولية تشهد بغير ذلك:
هل حققت القوات الدولية الأمن في الدول التي تنتشر فيها بغير رغبة أهلها؟. الإجابة لا تحتاج لتفكير .. فقد وجدت هذه القوات نفسها في وضع لا تحسد عليه .. وأصبحت تبحث عن الأمن لأفرادها بدلا من توفيره لمن جاءت من أجلهم ..! ما هو الحال في العراق وأفغانستان ولبنان ومن قبل الصومال وأيضا في منطقة البحيرات في قلب افريقيا.. مئات الأولوف من الجنود والمدرعات والطائرات، ولكن لم تشهد هذه الدول أمنا ولم تنعم باستقرار.
إن ارسال قوات دولية لهذا البلد أو ذاك ليست الحل، وعلى المجتمع الدولي تركيز الجهد في صناعة الوفاق والمصالحة بين الفرقاء داخل الدولة الواحدة التي تشهد نزاعات مسلحة، بدلا من السعي لبث الخلاف بينهم، وعندها سوف يجد أنه قد حقق بالوفاق والمصالحة ما لم يتحقق له بالجيوش الجرارة.
حقوق النسخ © بواسطة موقع جماعة أنصار السنة المحمدية بالسودان جميع الحقوق محفوظة.