_________________________________________________________________
يجب أن يعترف جميع الساسة وأهل السودان قاطبة أن نسيجهم الاجتماعي لم يكن بالدرجة القوية ليقف أمام رياح النزاعات القبلية ويصدها دون أن يتمزق. فقد نجحت كل النزاعات صغيرها و كبيرها في شد هذا النسيج من جهات عديدة حتى تقطعت أوصاله وتقوضت روابطه وتمزقت العرى التي كانت تحدث تماسكه وتلم قبائله في وحدة متنوعة وتنوع في وحدة.
________________________________________________________________
إن جماعة أنصار السنة المحمدية كقطاع هام من المجتمع السودان بروافدها الواسعة الممتدة عبر مساحة السودان والمتداخلة في كل مفاصله ترى ضرورة التحرك الجاد والحراك الفاعل لإعادة بناء النسيج الاجتماعي للسودان وإعادة بناء الثقة بين قبائله؛ حتى تصبح الوحدة مطلبا قوميا والسلام الفاعل طريقا إلى تحقيقها. فالجميع خاسر بالحرب والرابح الوحيد أعداء الأمة الذين يريدون بلدا ممزقا و متناحرا يسهل ابتلاعه بسهولة ويسر!
وإننا عبر هذه المساحة نسعى بموضوعية لوضع النقاط على الحروف لتحليل الواقع ورسم خارطة محددة المعالم فما يخص إنجاح الجهود الحالية لبناء وحدة قوية جامعة على أسس سليمة. فحتى يتم رأب الصدع ولم الشمل لابد من جملة من الترتيبات، من أهمها ما يلي:
أولا: إعادة النظر في التقسيم الإداري للبلاد المبني على الجغرافيا القبلية:
لقد ورث السودان صيغة إدارية وخارطة سياسية من المستعمر بنيتا على أساس قبلي، وكان هدف المستعمر وقتذاك أن يؤسس سيطرته الإدارية على أساس تكريس الجغرافيا القبلية في إدارته للسودان. فخرج بتلكم المحافظات التسع المتجزرة في القبلية لتحقق له أكبر قدر من السيطرة وبأقل الموارد الممكنة؛ دونما اعتبار لأي مسائل أخرى.
ولئن كان هذا الهدف استعماريا محضا، فإن كثير من الحكومات المتعاقبة التي عهد إليها بمقاليد السلطة في البلاد لم تجهد نفسها بمراجعة ما ورثته من تقسيم إداري. وإنما تم تبنيه بكلياته مع شيء من الديكور والزينة ومسميات متنوعة. وقد كان الأجدر أن تعتمد تقسيمة وتوليفة إدارية جديدة؛ لا تكرس للتوزيع القبلي لجغرافيا البلاد بل تنشئ نظاما يحقق الحراك القبلي الفاعل ويحدث الاندماج والوحدة الحقيقية. إن بلادنا حينما أورثت هذا النمط الإداري كانت غافلة أن في رحمه جنينا اسمه الانفصال؛ ما لبثت البلاد أن بدأت بعد هنيهة تشهد مخاض ولادته، حتى أوشك أن يرى النور.
وقد برهنت الأحداث المتلاحقة أن الوحدة الشاملة يعوزها حراك قبلي لتشكيل تمازج رائع يسهم في تذويب الفوارق القبلية ويصهر العرقيات في بوتقة واحدة. فالمخرج أذن في تبني جغرافيا إدارية جديدة غير مؤسسة على التوزيع القبلي، على أن يكون ذلك أمرا مجمعا عليه بين الجميع غير مفروض على الناس، ليكتب له القبول والنجاح – إن شاء الله.
_________________________________________________________________
ثانيا: عدم المساس باللغة القومية الجامعة وإبعادها عن دائرة الصراعات:
يعد تاريخ السودان خير شاهد على أن اللغة العربية (التي لانت لتناسب لهجاتنا ولغاتنا المحلية المتنوعة) كانت ولا تزال لغة التواصل ولغة الحياة اليومية لحوالي 595 قبيلة هم مجموع قبائل وعرقيات السودان؛ تربطهم جميعا دون أن تلغي لغاتهم أو لهجاتهم التي تناهز 915 لغة ولهجة.
إن مسعى بعض الإخوة في أجزاء عديدة من البلاد إلى إدخال اللغة العربية ضمن ميادين الصراع الدائر اليوم حول ما يسمى "بالهوية" إنما هو مسعى غير موفق لا يجب أن يدعوا إليه أحد من أهل القبلة. أما أهلنا في الجنوب فإن اللغة العربية لم تكن يوما عائقا في سبيل تواصل كل قبيلة بلغتها ولم تسهم يوما في تحجيم موروثاتهم القبلية؛ بل كانت على العكس اللغة القومية الوحيدة التي تساعد في تحيق التواصل بين جميع سكان الجنوب بعضهم مع بعض (كما هي الحقيقة على الأرض). ولم تكن لغة صفوة يتحدثها القلة من المتعلمين. وفوق ذلك فهي اللغة التي تحقق لهم التمازج مع أهل الشمال. وهذه المسلمات مجتمعة تشكل حافزا لأهل الجنوب لإعطاء اللغة العربية مساحة أوسع في الحياة اليومية.
والتاريخ القريب يدلنا على أن اللغة الإنجليزية لم تعرفها البلاد إلا عبر بنادق المستعمر، حيث أدخلها المستعمر قسرا في بعض أجزاء البلاد كلغة للتعليم ودواوين الحكومة، وحاول جاهدا إقصاء اللغة العربية القومية من حياة الناس حينما أصدر السكرتير الإداري مرسومه في عام 1930 لتثبيت وتفعيل سياسة "المناطق المقفولة" في كل من جبال النوبة والنيل الأزرق بجانب الجنوب – فكان من قراراته:
• إلغاء تدريس اللغة العربية
• التخاطب باللهجات المحلية والإنجليزية
• منع التسمي بالأسماء العربية
• منع لبس الأزياء العربية
• تدريس العربية بالحرف اللاتيني في جبال النوبة
• منع الشماليين من ممارسة التجارة في الجنوب
غير أن مساعي الاستعمار هذه لم تفلح في جعل عامة الناس يسبحون عكي التيار لأنها لم تكن لغة للعامة وإنما كانت لغة للصفوة فحسب. وقديما تساوى الاستعمار البريطاني مع الاستعمار الفرنسي حين زعم كليهما أن "اللغتين الإنجليزية والفرنسية هما لغتا تحرير الشعوب الإفريقية"!. ويكفي أن ما تعانية أفريقيا من ضعف و تخلف ونزاعات داخلية وحدودية هو مما زرعته سياساتهم في هذه القارة المنكوبة. فعلى الجميع عدم المزايدة في اللغة القومية التي لم تلغي يوما لغة محلية أخرى ولم تحارب هوية أو تسعى لإجتثاثها.
_________________________________________________________________
قانون المناطق المقفولة للمستعمر هو الذي أسس لفقه التقسيم العرقي للبلاد وحارب اللغة العربية.
_________________________________________________________________
ثالثا: احترام الكيانات القبلية ولغاتها و ثقافاتها
قال تعالى:(يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم)
لقد بنى المولى عز وجلّ الأرض كلها على كيانات قبلية متنوعة و قدر لها سبحانه أن تختلف في ألوانها ومشاربها. ولكن مراده سبحانه وتعالى من هذا التنوع أن لا يتناحروا ويتخاصموا، وإنما يتعارفوا ويتآلفوا ويكون تفاضلهم بمقدار كسبهم من الإيمان والتقوى فحسب. حيث أشار لهذه المقاصد نبينا صلى الله عليه وسلم:(لا فضل لأبيض على أسود ولا لعربي على عجمي إلا بالتقوى).
وهذه المقاصد الشرعية تدلل على أن الناس سواسية وأن ما حباهم الله من مميزات ثقافية ولغوية هو محل اعتراف بالتنوع في غير ما تعالى أو تكبر من فئة على أخرى. فدخول الفرد في الإسلام لا يعني أن يلغي نفسه أو ينسلخ من ذاته أو يتنكر للغة آبائه، وإنما عليه أن يصيغ حياته لتحقيق مقصود التنوع المذكور:"إن أكرمكم عند الله اتقاكم".
إن على كل قبيلة أو أثنية تنتمي لهذا الدين أن توازن بين انتماءها إليه واحتفاءها بموروثها القبلي؛ حتى تكون المحلصة النهائية لهذه العلاقة الدقيقة مؤسسة على جملة من المبادئ الشرعية التي لا يجب المساومة عليها لتحصيل عرض دنيوي زائل – ومن ذلك:
* أن يكون الولاء والبراء للكتاب والسنة وليس للعصبية
* أن لا تعلى العصبية القبلية وأن لا يحارب تحت رايتها – كما أمر بذلك النبي الكريم.
* أن لا يستعان بأعدائنا لقتال بعضنا البعض فالعدو لن يزكي إلا نار الفتنة بين الإخوة – كما نهى الله عز وجلّ عن ذلك:( يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر، قد بينا لكم الآيات أن كنتم تعقلون).
* أن لا يحتفى بالموروثات القبلية التي تعلي شأن الشرك والوثنية
* أن لا ترتبط ممارسة الموروثات القبلية باقتراف أمور محرمة
* أن لا يتم اختيار قادة الأمة على راية قبلية أو عنصرية أو حزبية وإنما يختار الأفراد لصلاحهم و لكفاءتهم.
* أن لا يعلى شأن تجمع أو كيان عرقي يحارب الدين ولغته وإن كان ذلك التكتل حبيبا إلى النفس أو يتصف بقرابة أو نحو ذلك – حيث قال الله عز وجلّ في هذا الشأن:
(لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ).
_________________________________________________________________
البلاد هي الخاسرة عندما تم استبدال الحوار بالنار.
_________________________________________________________________
رابعا: ضرورة الاستجابة للحوار والمصالحة
قال تعالى: ( وان طآئفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين. إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم). وهذا التوجيه يملي على الجهة المصلحة مراعاة الحيدة والتجرد والإخلاص في تحقيق المصالحة.
و قال تعالى: (لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس). ولعل أعظم درجات الحوار ما كان نابعا من الذات جامعا لكل الفرقاء وأن تكون الروح السائدة فيه روح مصالحة ولم للشمل وتأليف بين الناس، ليس تفريق.
فالأمل معقود في عودة المياه إلى مجاريها وعدة الروح إلى الجسد بعد أن يستجيب الجميع إلى صوت الحكمة و المصالحة إن شاء الله تعالى.
_________________________________________________________________
خامسا: رد المظالم وإصلاح ما أفسدته الحرب
قال تعالى: (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب)
وكما أن للحرب خططها وسياساتها، فكذلك المصالحة وإصلاح ذات البين يجب أن يكون لهما برنامجا سليما يحقق المطلوب ويسهم في إعادة الثقة التي غابت بين الإخوة لسنوات عديدة ساد فيها الجفاء وسوء الظن والخوف والحذر وترقب الأسوأ !.
ولما كان للحرب جراحات ومظالم من قتل الأنفس والاعتداء على الأموال والممتلكات فيجب أن يكون للمصالحة ثمن يقبضه المظلوم والمكلوم والمرأة الثكلى؛ ليعوضهم جميعا عما أصابهم، ويشعرهم بأن هنالك من ينصف مظلمتهم ويرد غائبهم ويعيد إليهم الفرحة.
ولن يكتب للمصالحة النجاح حتى يؤخذ على يد الظالم ويكف عن الظلم، ويمنع المعتدي، ويقتص من القاتل لمن قتله؛ فتدفع الديات ويرد المسروق إلى أصحابه، ويقام ما هدم وحرق من مساكن، ويشاع الأمن في البقاع التي فقدت الأمن والسلم والطمأنينة. والحمد لله فقد تعودت بلادنا على التسامح والعفو والمصالحة ونسيان المآسي وهذا رصيد هام نعول عليه في إصلاح ما أفسدته الحرب.
قال صلى الله عليه وسلم:
"لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم"
_________________________________________________________________
سادسا: إطلاق برامج شاملة للغوث والمساعدة للمحتاجين
لقد خلفت الحرب مئات الفقراء والأيتام والأرامل الذين يفترشون الأرض ويلتحفون السماء. فهؤلاء قطاع هام من مجتمعنا يجب أن تحرك كل موارد البلاد حكومة وأفرادا لمقابلة احتياجاتهم وغوثهم وعدم تركهم نهبا لهيئات الدولية تأخذهم يمينا ويسارا. فهم في ذمتنا والله سائلنا عنهم ونبينا قد استوصانا بهم خيرا:( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى).
________________________________________________________________________
إذا أدى كل فرد سوداني واجبه تجاه إخوانه من أصحاب الحاجات لما وجدت المنظمات الدولية مدخلا للتفرقة بين أبناء البلاد.
________________________________________________________________________
هذه اضاءات مقتضبة عن ملامح إصلاح النسيج الاجتماعي وهو عمل يجب أن يتكاتف الجميع في إنجازه بأسرع ما يمكن قبل فوات الأوان.
حقوق النسخ © بواسطة موقع جماعة أنصار السنة المحمدية بالسودان جميع الحقوق محفوظة.