كانت الفضائيات العربية نتاجا لثورة الاتصالات والعولمة التي اجتاحت أمتنا بحلول العام 1409ه حينما بدأ البث التلفزيوني المباشر عبر الأقمار الصناعية. وبمجرد انتشارها عبر الأثير ظهر تأثيرها في صياغة الآراء والأفكار والمواقف للأفراد والدول.
فما يربو على المائة قناة فضائية عربية (من داخل الدول العربية وخارجها) احتلت اليوم موقعا مهما وخطيرا في حياة الأمة، وولجت إلى المنازل وتسللت إلى الأسر دونما حاجة لطرق الأبواب؛ حتى غدت قوة طغط هائلة تعمل على تشكيل وصياغة الرأي العام اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا وأخلاقيا.
تتنوع برامج معظم الفضائيات بين نشرات الأخبار والبرامج التي تستهدف مجالات الثقافة والترفيه والغناء والموسيقى والدراما، وتزاوج بين البرامج المستوردة والمحلية، وتعتمد الإثارة والإغراء الغرائزي، وتساهم مع شركات الزينة والمكياج وبيوتات الموضة في تحويل المرأة إلى دمية تحركها الغرائز هدفها "متعة الاستهلاك" - لا تعرف غير الاهتمام بجمالها.
القنوات الفضائية والثورة على ثوابت الأمة:
كثير من القنوات الفضائية سيئة السمعة تبث مادتها دونما تحفظ على المسائل الإخلاقية و دونما رعاية لجناب الرب سبحانه وتعالى. فهي فضائيات لا تخشى المولى عز وجل فيما تنشره من عقائد باطلة تحارب التوحيد وتدعو الناس إلى عبادة الناس، ولا تتورع عن الترويج للأفكار الهدامة والدعاية للأخلاق السيئة والسلوكيات المدمرة – بقصد أو بغير قصد.
وباسم الانفتاح الحضاري والثقافي على العالم درجت الغالبية الساحقة من هذه القنوات التلفازية على بث برامج هابطة عديدة تسير في ركاب القنوات الفضائية الغربية وتستهدف سلبا الأسرة والمرأة العربية المسلمة وتجعلهما غرضا للتغيير والتغريب بالدرجة الأولى.
وجميع هذه الفضائيات الهابطة - موضوع الحديث - تعتمد أساليب إعلامية تقوم على تهييج الغرائز وتزيين المنكر للمشاهد والمستمع بشتى الوسائل والطرق؛ وهدفها الظاهر الذي تتستر من وراءه هو تحقيق الشهرة وجني الأرباح.
الاستهداف السلبي للمرأة يرمي إلى تدمير الأسرة:
المرأة منجبة الرجال ومربية الأجيال وحصن المجتمع الكبير بتربعها على عرش الأسرة. إن هذا الحصن الذي صانه الإسلام بالضوابط المحكمة أصبح في مرمى سهام الإعلام المسمومة، وصار عرضة للتهاوي والانهيار.
وهذا التقويض لما رسخه الإسلام من سلوكيات قويمة يتم تحت ستار الإصلاح والتطور الاجتماعي، وسينتهي حتما إلى إنتاج أمة بلا أهداف تسير في ركاب الثقافة والفكر الغربي.
وأصدق ما توصف به هذه القنوات الهدامة أنها تمارس عمليات استلاب فكري لجعل المرأة مبهورة بما ينتجه الغرب، ومتلهفة لإقتناء ما يظهر من موضة وأدوات زينة على الشاشات، ومقتدية بما تتعلمه وما تشاهده من سلوكيات وأفكار. وباختصار يهدف هذا السيل الطاغي من الإعلام المنفلت إلى:
* تغيير ذهنية المرأة لتقبل فريتهم بأن الحجاب قيود و أغلال للمرأة عفى عليها الدهر
* وفي المقابل يتم تزيين السفور بكل دهاء ومكر على أنه مؤشر على تحرر المرأة وحداثتها
* كما يتم تزيين العري والتبرج كنوع من الجمال والأناقة
*ويروج للخلاعة والفاحشة من خلال المسلسلات والأفلام والبرامج والموسيقى (تعليم كيفية انشاء العلاقات المحرمة باسم الحب، وجعل الخلوة مسألة عادية..)
* الطرق على قضية حقوق المرأة (تعليم المرأة كيف ترد حقوقها المسلوبة بزعمهم)، وكيف تثور على الأحكام الشرعية (مثل قوامة الزوج وولاية الولي،..). وما هذا إلا غيض من فيض تم دسه بعناية بين برامج أخرى مفيدة مثل تعليم طرق الطهي والعناية بديكور المنزل وبعض المهارات النسوية.
نماذج من بضاعة هذه القنوات الفضائية للمرأة المسلمة:
1. الدعوة إلى تحرير المرأة من الإلتزام بالمثل والأحكام الشرعية:
تقوم بعض القنوات الفضائية - عبر المنابر التي تفتحها لرواد حركات تحرير المرأة من الجنسين - بإرسال رسائل مباشرة وغير مباشرة تدعو المرأة صراحة أن تتمرد على ما تسمية الموروثات الإجتماعية التي تكبل المرأة وتعيق تحررها. ومن ذلك:
• مناداة المرأة لإسقاط مسألة "المحرم" معنا وواقعا؛ حتى لا يكون هنالك ما يقيد حريتها أو حركتها، فلا يكون هنالك ما يحبسها في "سجن المحرم" – كما يدعون؟
• وتناديها أيضا لتتجاوز ركن حصين من أركان الأسرة المسلمة – ألا وهو ولاية الرجل (خاصة الأب والأخ والزوج). ويزعمون أنه من خلال انعتاقها من مسألة الولاية تمنح نفسها حقوقها المدنية والإنسانية، وتكون لها شخصيتها المستقلة عن أي تسلط. ويصبح بإمكانها أن تفعل ما تريد، وتخرج وتسافر متى ما أرادت، وتلبس ما تحب من الأزياء، وتصادق أي من الجنسين كيفما ترغب، وتتزوج بمن أحبت دون رجوع لولي.
ومن خلال هذه الدعوات انتهى الأمر إلى اضطراب العلاقة بين الفتاة ووالدها وأخوها، وغرقت الأسر في دوامة من النزاعات الداخلية.
2. الدعوة والترويج للموضة:
تقوم القنوات بالترويج للموضة من خلال تتبع المعارض الدولية والمحلية للموضى التي تعتبر منتجاتها في موازين شرعنا الحنيف أزياء فاضحة تعرض المرأة كسلعة رخيصة، وتعرض جسدها وتكشف عوراتها للقاصي والداني دونما حياء.
ومثال للموضات التي تروج لها القنوات عبر برامجها وعبر ما ترتديه مقدمات البرامج فيها لباس "البنطلون" الذي يدل على التأسي بالمرأة الغربية. وهو لباس يخالف الفطرة ولا يليق بالأنثى التي خلقت متميزة عن الرجل طبعا وشكلا. وهو أيضا لباس شاذ ضيق يحيط بالبدن ويحد أجزاء أمرت المرأة بسترها بالثياب الفضفاضة، مما يتعارض مع شروط الزي المحتشم الذي أمر به الشرع – قال صلى الله عليه وسلم:
"لعن الله المخنثين من الرجال و المترجلات من النساء"
(أخرجه الترمذي، والألباني في صحيح الجامع)
"لعن الله الرجل يلبس لبسة المرأة، والمرأة تلبس لبسة الرجل"
( أخرجه أبو داؤد، والألباني في صحيح الجامع)
وهذه القنوات التلفازية بدلا من أن تركز على علاج ظاهرة انتشار لبس الفتيات للبنطلون والملابس العارية نجدها ساهمت في توسيع رقعة انتشاره.
ومن الموضات التي تروج لها القنوات عبر برامجها الترويج لموضات قصات الشعر والتسريحات التي تجل شعر المرأة يبدو كشعر الرجل، فتتجى على الزينة الطبيعية التي خلقت بها.
3. الدعاية للتدخين والمخدرات:
وعبر ما تشاهده الفتاة في القنوات التلفازية من أفلام ومسلسلات وبرامج واردة من الغرب تجد القدوة السيئة في الفتيات اللاتي يظهرن وهن يشربن الخمر أو الدخان أو يتعاطين المخدرات في خلوة مع الأصدقاء والصديقات. فينشأ عند الفتاة ويتنامى لديها الشعور الداخلي مع الأيام بضرورة تجربة هذه المتعة الزائفة التي تعيش فيها قريناتها المتحررات في الغرب أو الشرق. وقد تسقط الفتاة في شراك هذه الممارسات السيئة وتنتهي بنفسها في وضع قد خسرت معه أنوثتها ومستقبلها.
4. التنافس في ظاهرة "الفيديو كليب":
فن " الفيديو كليب " طامة كبرى اجتاحت العالم العربي بين يوم وليلة، اجتمع فيها كل ما يرضي الشيطان ويغضب الرحمن. إنها ظاهرة مدمرة تعلن الحرب صراحة على الفضيلة، وتروج للرذيلة بأبخس الأثمان.
هذه الظاهرة التي يزكيها الغناء والمزامير والكلمات الرخيصة تعتمد على لقطات مشينة ومخجلة تخرج فيها الراقصة والفنانة عن حيائها وكبريائها وتسقط سترها، وتبدي من العري والتهتك والخلاعة وكشف المفاتن ما يندى له الجبين.
وبكل أسف هذا التهتك الذي يسمونه فنا تتخصص فيه العشرات من القنوات التي لا تعرف غير عرض الهابط والمخل. إنها قنوات فضائية تعلن تحارب بجرأة الدين والمثل والأخلاق، وتحاصر الأسر وتعلم أبناءها فنون الغزل والعشق وإثارة الغرائز البهيمية.
وفي ظل تكالب الرذيلة كان أن تحرك الغيورون لإيجاد قنوات ذات طرح هادف تصون المجتمع وتكشف زيف الباطل بكل صنوفه، إلا أن البون ما يزال شاسعا بين القنوات التي تصنع الباطل وتروجه والقليلة الأخرى التي تحاول جاهدة تقديم مادة إسلامية تربوية لمواجهة الطوفان الإعلامي السافر.
حقوق النسخ © بواسطة موقع جماعة أنصار السنة المحمدية بالسودان جميع الحقوق محفوظة.