تولد الشائعات القلق والحيرة والإثارة كما أنها تتولد منه، منتعشة في أجواء السرية والتنافس والصراعات. ويكفي أن تطلق شائعة صغيرة في جو من اجواء الحرب أو المنافسة التجارية أو المضاربة في بورصات الأسهم ، حتى تتناقلها الأفواه وتسير بها الركبان، فتنمو وتتحول من الهمس المحدود حتى تصير حدثا وصدا قوياً يجد رواجه في المجالس العامة والخاصة وفي وسائل الإعلام.
إذن، فالانتشار والسرعة هما جناحا طائر الشائعات الذي يجد حريته المطلقة في الأجواء العامة التي تلبدها سحب غياب المعلومة الصحيحة وانعدام الثقة والمصداقية.
وهذه الكلمات التالية تلخص مسألة الشائعات التي تجد قبولا إجتماعيا ورواجا في ساحاتنا العربية والإفريقية.
حرمة ترويج الشائعات
المسلم منهي عن ترويج الأخبار والإشاعات لأن ترويجها قد يتسبب في:
نشر بدعة لا أصل أو هدم سنة
(مثل بدعة كتابة بعض الآيات وتوزيعها وجزاء من لا يفعل ذلك)
أو صرف المسلمين عن قضايهم وهمومهم
أو قتل نفس .. (كما هو الحال في النزاعات القبلية)
أو قيام حرب ..
أو هزيمة جيش ..
وحفاظا على مسألة سلامة "الرأى العام" وخطورة ذلك على الجمتمع نجد أن الإسلام قد أسس بقوة لتربية المنتسبين إليه بإلتزام المصداقية في القول وعدم قبول ما يأتيهم من أخبار ومعلومات قبل إعمال التمحيص والروية والتثبت. ولذلك جاءت حرمة ترويج الشائعات ووجوب التثبت من الأخبار قبل نشرها في كثير من الآيات والأحاديث:
فقد قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة). والآية جاءت للتحذير من كل خبر بغض النظر عن مروّجه. ولا تعني الآية إباحة نقل الأخبار من غير الفاسق، وذلك لعموم قوله صلى الله عليه وسلم : (كفى بالمرء اثما أن يحدث بكل ما سمع) - أو كما قال عليه الصلاة وأذكى التسليم
وقال الله تعالى مادحا أهل الإيمان الذين لا تهزهم شائعات الأخبار وما يتناقله المقرضون والمنافقون: (الَذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِين)
ولا يخفى أن الهدف الأسمى من وراء هذه التربية العظيمة في الإسلام هو ترسيخ البناء الإجتماعي للأمة، بحيث لا يتجاوب الرأي العام للمجتمع مع المواضيع والأفكار المتضمنة في الشائعات، حتى لا تصبح جزءا من بنيتة الاعتقادية أو محركا له.
أهداف مختلفة وراء اطلاق الشائعات:
اطلاق الشائعات فن له رواجه ومؤسساته المتخصصة على مستوى العالم. وإلقاء الشائعة في المجتمعات المختلفة أصبحت صنعة تخدم أهدافا استراتيجية للدول والمؤسسات الإقتصادية. فكم من دولة حققت مكاسبا سياية أو عسكرية من خلال الشائعات، وقللت بذلك من خسائرها المادية والبشرية.
كما أن للشائعات دورا متعاظما في جانب زيادة الأسعار (أسعار النفط مثلا)، وتغيرات سوق الأوراق المالية ونحوها. وبالجملة فإن الشائعات لا ترسل جزافا دونما أهداف محددة، كما يتبين من النماذج التالية:
* قد يتم نشر الشائعات للتكتم على فضائح وحقائق تخص الأفراد أو الدول، بحيث ينشأ من اطلاق الشائعة اغلاق الملف المتعلق بقضية الشائعة
* أو قد تطلق الشائعة بغرض تكوين رأى عام حول جهة أو قضية ما، أو لتحقيق مكاسب شعبية أو سياسية أو اقتصادية (مثل نشر الشائعات الكاذبة عبر الإعلام حول امتلاك العراق ترسانة أسلحة نووية وكيميائية)
* ويكثر تسخير الشائعات واستخدامها فى الحروب والنزاعات المسلحة من باب التكتيكات النفسية لتحقيق هزيمة العدو (الحرب الباردة أو الحرب النفسية)
* أو قد تطلق الشائعة بغرض تحيق أو تكوين رأى عام حول قضية معينة (مثل ترويج الشائعات حول ابادة اليهود – الهولوكوست)
استخدام الشائعات في العلاج النفسي:
يرى علماء النفس أن الشائعات يمكن أن تؤدي إلى التخفيف من قلق وخوف الناجين من الكوارث والأحداث. ويزعمون أنه من خلال إعطاء الناجين من ضحايا الزلزال جرعات من الشائعات ترعبهم بحيث تساعد في صرف انتباههم عن القلق الذي ينتابهم بهلاك أصدقاؤهم وأقرباؤهم).
وهذا النمط من علاج السلوك الإجتماعي عند الكوارث يمثل علاجا من باب " وداوني بالتي كانت هي الداء". وامة الإسلام لها من وسائل العلاج النفسي الشرعي في الكمتاب والسنة ما يغنيها عن هذا الخواء الفكري والمعالجات الباطلة.
استخدام الشائعات في الحرب النفسية العسكرية:
تهدف الشائعات في مجال الحرب النفسية العسكرية إلى السيطرة العقلية والعاطفية على العدو، بجانب إحداث الصدمة والترويع، ومن ثم الوصول إلى حالة من الإرباك تنتهي بإفشال الخطط والبرامج أو الإستراتيجيات التي يتبناها في وقت الحرب أو السلم.
والحرب النفسية – خاصة في الجوانب العسكرية – تقوم على الأنشطة الاستخباراتية و المعلوماتية، لدرجة يصبح معها تصنيع المعلومات وإعادة تصنيعها مسلألة فنية وتخصصية لها مؤسساتها وطرق تعلما وميزانياتها السنوية. ويتم للغرض نفسه تجييش وسائل فعالة في الترويج والنشر والتسريب وصولا إلى الشارع العام أو القطاع المستهدف من الشائعة (القيادات العسكرية والسياسية مثلا). فلا عجب أن أصبحت اليوم مراكز الإعلام ووسائله المقروعة والمشاهدة والإليكترونية - كالصحافة .. ومواقع الانترنت .. وشبكات الفضائيات والإذاعات - أوعية ناقلة ومروجة للإشعاعات.
مواجه الشائعات:
تربية النفس على التصدي للأخبار التي تأتيها أو تسمعها من هنا وهناك والتثبت منها قبل التعاطي معها
عدم ترويج الأخبار التي لا تعرف مصارهاً
حقوق النسخ © بواسطة موقع جماعة أنصار السنة المحمدية بالسودان جميع الحقوق محفوظة.