رسالة علمية أعدها الدكتور يوسف الكودة
صفحة: 1/9
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد الله والصلاة والسلام على رسول الله الأمين وبعد
لقد أكرم الله البشرية ومنّ عليها بهذا الإسلام الذي كفل لمن اتبعه الفوز والسعادة والعزة والسيادة ( فمن اتبع هداي فلا يضل ولايشقى )[1] ولأن هذا الدين هو ختام الأديان فقد زوده الله سبحانه وتعالى بما يجعله خالداً وصالحاً لكل جيل وزمان فلا يخلق أبداً فهو دين الفطرة التي ينسجم معها ولا يتصادم ويهذبها بلا مشقة ولا عنت ويصونها بلا تضييق ولا حرج ، ولقد وصل إلينا هذا الإسلام خالياً من كل إفراط أو تفريط فكانت أمة الإسلام أمة وسطاً بين الأمم ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا)[2].
يقول ابن كثير رحمه: ( والوسط هنا هو الخيار والأجود ، كما يقال: قريش أوسط العرب نسباً وداراً أي خيرها) وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وسطاً في قومه أي أشرفهم نسباً ومن ذلك أيضاً : ( الصلاة الوسطى التي هي أفضل الصلوات وهي العصر كما بينت في الصحاح وغيرها).
ولكن يحاول البعض من وقت لآخر أن يلصق بهذا الإسلام ما يشهوه جماله وينعه ويعكّر صفائه قاصدا بذلك أو دون أن يقصد فأحسن أحوال هؤلاء أنهم أصحاب نية حسنة ولكن للأسف قد تقرر عند فقهائنا: ( إن النية الحسنة لا تحسن العمل السيئ) فهل يا ترى هؤلاء هم الذين تنبّأ بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال: ( سيخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان ، سفهاء الأحلام).
يقول الحافظ ابن حجر: ( أحداث الأسنان : المراد أنهم شباب ،سفهاء الأحلام : عقولهم رديئة).
قال النووي : ( إن التثبت وقوة البصيرة تكون عند كمال السنة وكثرة التجارب وقوة العقل) ، وحقيقة إذا ما التقى الحماس مع قلة العلم ونقص في التجربة والإعراض عن أهل الذكر كان التطرف والغلو لا محالة.
فإن ما يقوم به هؤلاء ولا سيما في الآونة الأخيرة من قتل لأبرياء وإتلاف للمال وترويع للأمة والناس فقد ارتكبوا به جمعاً من الموبقات منها : أنهم يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق من إخوانهم من المسلمين وهذه كبيرة عظيمة، أو قتلهم لغير المسلم الذي لا يستحق القتل كالمستأمن أو من هو في حكمه ممن تتعاقد معهم الحكومات الإسلامية والعربية للاستفادة من خبراتهم ، فإنهم وإن كانوا غير مسلمين فهم لا يستحقون القتل ولا يجوز قتلهم طالما أنهم وفدوا إلينا بطرق نظمتها الدولة وسمحت لهم بالإقامة ، فهم تحت حمايتها وذمتها وأمنها بل برها وقسطها لأن ذلك يرغبهم في الإسلام ،.
ولكن للأسف ما يحدث الآن من هؤلاء الغالين المتطرفين هو خدمة جليلة تقدم مجاناً لأعداء الإسلام ومن يتربص به من المتربصين تتمثل هذه الخدمة في أفعال شنيعة ترتكب من إتلاف للأموال جراء تلك التفجيرات التي تدمّر من ورائها محال تجارية وبنايات وسيارات وقتل للأرواح من المدنيين الأبرياء هذا إضافة إلى ترويع الآمنين من الناس وتصوير الإسلام بهذا الوجه المشوه مما يعمل على إبعاد الكثيرين عنه.
لذلك فإن ظاهرة الغلو هذه قد أصبحت من القضايا الشائكة التي تواجه الأمة الإسلامية في عصرها الحديث ولقد تسببت في إضرار بليغة بالأمة الإسلامية مما شوه جمال الصحوة الإسلامية وعرقل المسيرة ، الأمر الذي أو جب العلاج .
ولقد اخترت هذا البحث مساهمة منى في تشخيص وعلاج هذه الظاهرة متعرضاً لبعض صفات أولئك الغالين وذكر بعض من الأسباب التي عملت على بروز هذه الظاهرة كما تناولت أيضاً بعضاً من المحاولات للمساهمة في علاج هذه الظاهرة الخطيرة على الإسلام والمسلمين.
د. يوسف الكودة
الخرطوم
2005/6/1