أنزل الله تبارك وتعالى – بعد ثلاث سنوات من الدعوة السرية – على رسوله صلى الله عليه وسلم قوله: ( وانذر عشيرتك الأقربين ) . الشعراء 214
وأول ما فعل رسول الله صلي الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية أنه دعا بني هاشم فحضروا ، ومعهم نفر من بني المطلب بن عبد مناف ، فكانوا خمسة وأربعين رجلاً . فبادره أبو لهب وقال: وهؤلاء هم عمومتك وبنو عمك فتكلم ودع الصباة . وأعلم أنه ليس لقومك بالعرب قاطبة طاقة ، وأنا أحق من أخذك ، فحسبك بنو أبيك ، وأن أقمت علي ما أنت عليه فهو أيسر عليهم من أن يثب بك بطون قريش ، وتمدهم العرب ، فما رايت احداً جاء علي بني أبيه بشر مما جئت به ، فسكت رسول الله صلي الله عليه وسلم ، ولم يتكلم في ذلك المجلس.
ثم دعاهم ثانية وقال: " الحمد لله احمده وأستعينه ، وأؤمن به ، وأتوكل عليه ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. ثم قال: إن الرائد لا يكذب أهله ، والله الذي لا إله إلا هو ، إني رسول الله إليكم خاصة ، وإلي الناس عامة ، والله لتموتن كما تنامون ، ولتبعثن كما تستيقظون ولتحاسبن بما تعملون ، إنما الجنة أبداً أو النار ابداً . فقال أبو طالب: ما احب إلينا معاونتك ، وأقبلنا لنصيحتك ، وأشد تصديقاً لحديثك ، وهؤلاء بنو أبيك مجتمعون ، وإنما أنا أحدهم غير اني أسرعهم إلي ما تحب ، فامض لما أمرت به . فوالله لا أزال أحوطك وأمنعك ، غير أن نفسي لا تطاوعني علي فراق دين عبد المطلب . فقال أبو لهب: هذه والله السوأة خذوا علي يديه قبل أن يأخذ غيركم ، فقال أبو طالب: والله لنمنعه ما بقينا.
هذه هي القصة كما رواها جمع من أهل السير ، وتبقي بعد ذلك الدروس والعبر.
منها :جواز أن يدعو الداعية الكفار والملحدين إلى منزله ,إذا كان الغرض من دعوته لهم هو تقديم الاسلام ,وأن يكرمهم في بيته بما يليق , فقد جاء في بعض الروايات أنه صلى الله عليه وسلم (صنع لهم طعاماً). ولايتعارض هذا مع حديثه صلى الله عليه وسلم الذى يقول فيه (لا تصاحب إلا مؤمناً ,ولايأكل طعامك إلا تقى ) فهذا في شأن الإلفة والمودة وأتخاد الأخلاء التى يجب الا تكون لا لأهل الأيمان , والفرق واضح بين الأمرين .
ومنها أيضاً:انه ليس من الواجب والضرورى على الداعية أن يقول كل كلامه في المجلس المعين ,اذ أن تأخير البيان جائز إذا ما حدثت موانع ومعوقات وتشويش يمنع وصول الرسالة الى المستهدفين , فنلاحظ هنا أن النبى صلى الله عليه وسلم أخر البيان الى سانحة أخرى عندما قام ابو لهب بالتشويش في المجلس الأول .
وثالثاً : موقف أبى طالب , فيه دروس وعبر كثيره , منها أن الهداية بيد الله تعالى يعطيها من يشاء , ولو كان الأمر بما نحب نحن ونرجو لتمنينا أن يؤمن هذا الرجل الذى كان يحوط النبى صلى الله عليه وسلم ويمنعه , ولكن حكمة الله جل وعلا هى الغالبة وحكمه تعالى هو النافذ .
ويجب علينا ان نعلم أن لكل زمان .
"ابى طالب" يؤيد الدين ويقف سداً منيعاً ضد الذين يريدون أن ينالو منه على الرغم من أنه لايؤمن به ! ونجد هذا في عالم اليوم يتمثل كثير من "المنصفين "الذين عرفوا عار وعوار اعداء الاسلام ودافعوا عنه وهم لم يلتزموه , فالله تعالى يؤيد دينه بمن يشاء فالكل عبيده ,وذكاء الدعاة اليوم يتجلى في التعرف على امثال هؤلاء المنصفين من المفكرين والعلماء في أمم الشرق والغرب , ومد وجسور التواصل والتفاهم معهم , لتكون بذلك الخدمة لهذا الدين , والحماية له والذب عنه ضد كيد اعدائه.
رابعاً: الدائرة بدأت تتسع وتزيد , كانت في البداية تتمثل في نقطة , شخص واحد هو المأمور بالألتزام والاستقامة ( وربك فكبر, وثيابك فطهر, والرجز فأهجر) , ثم اتسعت الآن الدائرة لتشمل العشيرة والاقربين عندما امر الله نبيه هنا ان ينذرهم ففعل , وذلك تمهيد للخطوة القادمة التى تتسع فيها الدائرة اكثر لتشمل اهل مكة ومن حولهم (لتنذر أم القرى ومن حولها ). وما أن يتم هذا الأنذار حتى يأتى الاتساع الذى يشمل كل الكرة الارضية ( وما ارسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيرا).
حقوق النسخ © بواسطة موقع جماعة أنصار السنة المحمدية بالسودان جميع الحقوق محفوظة.