انسحب ابليس من ميدان القتال يوم بدر ... هل كان موجودا ؟ نعم ، لقد خرج مع جيش مكة متمثلا في صورة سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي سيد بني كنانة ... ولنترك الشيخ المباركفوري يروي القصة :
يقول في " الرحيق المختوم " : ولما راى ابليس ما يفعل الملائكة بالمشركين خر ونكص على عقبيه وتشبث به الحارث بن هشام – وهو يظنه سراقة – فوكز في صدر الحارث فالقاه ، ثم خرج هاربا ، وقال له المشركون : الى اين يا سراقة ؟ الم تكن قلت : انك جار لنا ، لا تفارقنا ؟ فقال اني ارى ما لا ترون ، اني اخاف الله ، والله شديد العقاب ، ثم فر حتى القى نفسه في البحر . تلك هي القصة وتبقى بعد ذلك الفوائد .
الفائدة الاولى : لقد شكل ابليس حضورا قويا بنفسه في تلك الاحداث والملاحم ، لم يكتف بمهنته الاساسية ( الوسوسة ثم الخنوس ) ولكن تعداها الى مرحلة المشاركة الفعلية والقولية في الاحداث .
ها هو ( ازب العقبة ) شيطان من جنود ابليس يصرخ في اهل مكة في موسم الحج الذي بايع فيه الرعيل اليثربي الاول النبي صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة الاولى , ويقول لهم ( يا اهل الاخاشب ) صرخ بها في رجوف الليل ( محمد والصباة لقد اجتمعوا على حربكم ) انه هنا يحارب بصوت جهير ولا يكتفي بالوسوسة .
وفي ليلة الهجرة ياتي ابليس ويدخل ( برلمان مكة) ... دار الندوة في قريش متثلا في صورة شيخ نجدي ، ويحضر المداولات ، ويرجح بين الاراء ويعطي قصب سبق الفوز للراي الذي يقترح قتل محمد صلى الله عليه وسلم عن طريق تفريق دمه بين القبائل ... فيرجح و لا يغادر قاعة الاجتماعات حتى يتفق معهم على طريقة تنفيذ الجريمة ... وهو هنا لا يكتفي بالصياح ولكن يشارك بشحمه ولحمه ورايه .
ان الامر جلل وخطير ، فالحدث هو الاكبر والاعظم في تاريخ البشرية ... نبوة ستظهر هداية ستوجد ... وان الامم التي ظل ابليس يضلها عبر القرون السابقة سترى نور التوحيد اخيرا ، ان النبوة التي ظل العالقلون ينتظرون اشعاعها قد ظهرت اخيرا ... وهذا الامر لا يريده ابليس ، ان يظهر طريق الهداية ويتضح امام الناس ؟ كلا والف كلا هذا لن يكون ، ولذا لا يكتفي بارسال جنوده وتلاميذه وعماله الصغار ... لابد ان يظهر( المعلم الكبير ) هنا ، فالامر يتطلب خبرة ودراية ، فالصراع الان ليس مع شخص عادي يمكن لاي ( شويطين ) ان يضله في ( أي ملف ) ولكنه مع نبي ، مؤيد بالوحي ... منصور بالملائكة فلا بد لابليس ان ينزل الى الساحة بلحمه و عظمه ... والمعركة هنا معركة مصير ، فاذا هلكت هذه العصابة فلن يعبد الله في الارض ابدا ، وهذا حتما هو ما يريده ابليس ولذا لم يكتف بالعمل الصغير ( الوسوسة ) ولا بالعامل الصغير وانما باشر القتال بنفسه .
فائدة ثانية : ابليس لا يعلم الغيب ! فلو كان يعلم الغيب لما طمع في ان يقتل المشركون محمداً صلى الله عليه وسلم ، لقد نجحت مؤامراته السابقة في قتل الانبياء والمرسلين فقتل زكريا وقتل يحى عليهما السلام ، وقتل الكثير من انبياء بني اسرائيل ، وابليس هنا يظن ان الخطة الخبيثة ستنجح ايضا هذه المرة ، فتعشم في قتله يوم الهجرة ، ولما فشلت تلك الخطة ، واصل عراكه ، وها هو الان يشارك في (بدر ) مشاركة كادية محسوسة ، ولكنه لا يعلم لمن ستكون العاقبة ، ولو علم لما خرج ولما شارك ... ولما راى الملائكة تنزل من السماء عرف ان الهزيمة ستحيق بقومه اهل الشرك فهرب من ميدان المعركة التي كان يؤمل فيها كثيرا ووضع فيها كل اسلحته ...
ابليس لا يعلم الغيب ! فالغيب استاثره الله جل وعلا بعلمه ولم يطلع احدا عليه ، الا فليعلم ذلك الذين يجلسون القرفصاء امام الدجالين والمشعوذين الذين يزعمون ان لهم علاقة مع ( السفلي ) – وينطقونها بكسر السين – يقصدون بها صغار الجن ... يا هؤلاء اذا كان كبيرهم لا يعلم الغيب فكيف بهؤلاء الصغار ؟.
حقوق النسخ © بواسطة موقع جماعة أنصار السنة المحمدية بالسودان جميع الحقوق محفوظة.