لا يذكر رمضان إلا وتذكر غزوة بدر ... فرمضان شهر الانتصارات ، وفتح مكة كان أيضا في رمضان ، وكثير من الانتصارات الكبرى لأمة الإسلام كانت في رمضان ، و العالمون بالأيام الغر في تاريخ الأمة يعلمون ذلك جيدا ويذكرون لك على سبيل المثال ( عين جالوت ) وتمتد الانتصارات الرمضانية حتى تصل إلى العاشر من رمضان في أكتوبر 1973 .
سرد وقائع غزوة بدر سيق ومثير ، والغزوة فيها مواقف كثيرة تستلزم التأمل واخذ العبر ... لقد خرج المسلمون بجيشهم الصغير لمقابلة قافلة أبي سفيان القادمة من الشام وعرف أبو سفيان بخبر جيش مكة وهرب بالقافلة محولا اتجاهها ناحية البحر ، وعرفت قريش بالأمر فسيرت جيشها وجاءت بكبريائها وغطرستها وأصرت على ملاقاة المسلمين ... فوقعت الواقعة وهزموا شر هزيمة ، والقصة بمجملها معروفة للكبير و الصغير .
ولكن هنا يبرز سؤال : كيف عرف أبو سفيان بان المسلمين سيعترضون طريقه ؟ وان جيش المدينة بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم في طريقه لملاقاته لانتزاع القافلة بأموالها تعويضا للخسائر والضيم الذي لقيه المسلمون في مكة ؟ كيف عرف ؟ ان أبا سفيان لم يكن رجلا عاديا ، بل كان قائدا ذكيا نجيبا ذا فطنة ، ولنترك الشيخ صفي الرحمن المباركفوري رحمه الله يروي قصة معرفته خبر جيش المسلمين ، فيقول : ... وكان من قصة أبي سفيان انه كان يسير على الطريق الرئيسي ، ولكنه لم يزل حذرا متيقظا ، وضاعف حركاته الاستكشافية ، ولما اقترب من بدر تقدم عيره ، حتى لقي مجدي بن عمرو ، وسأله عن جيش المدينة فقال : ما رأيت أحدا أنكره ، إلا إني قد رأيت راكبين قد أناخا إلى هذا التل ، ثم استقيا إلى مناخيهما ، ثم انطلقا ، فبادر أبو سفيان إلى مناخيهما ، فاخذ من أبعار بعيرهم ، ففته ، فإذا فيه النوى ، فقال : هذه والله علائف يثرب ، فرجع إلى عيره سريعا ، وضرب وجهها محولا اتجاهها نحو الساحل غربا ، تاركا الطريق الذي يمر ببدر على اليسار وبهذا نجا من الوقوع في قبضة جيش المدينة ...
هذه القصة باختصار كما أوردها المباركفوري في " الرحيق المختوم " ص 207 ... وتبقى بعد ذلك الفوائد .
الفائدة الأولى : ذكاء البادية . ان البادية العربية الصحراوية لها بيئتها وظروفها ، وقد تعلم الأعراب كيف يتعاملون معها وقد خبروا مساراتها وسبروا أغوارها ... فهي عند الغرب حجارة متشابهة ورمال ممتدة وكثبان متتالية ، ولكن أعرابي البادية يستطيع ان يميز بينها ويعرف طريقه بين مساراتها جيدا، ولا يتوه فإذا جن الليل ، رفع بصره إلى السماء فعرف من النجوم الاتجاهات والمسافات والفصول من السنة والوقت من اليوم و الليلة .... هذا نوع من العلم أصبح نادرا اليوم ، لقد أصبحت الأجهزة هي التي تتحسس لنا الطريق وتحسب لنا المسافات و تحدد لنا الاتجاهات ، فقل ذكاؤنا الفطري ... هذا الذكاء الذي كان موجودا عند هذا القائد وهو يقف في وسط الصحراء ويحمل بعرة البعير ويسحقها بيده فيرى فيها نوى التمر .... والكل قديما وحديثا يعرف ( تمر المدينة ) ، ان الجمل الذي يحوي روثه نوى البلح لابد لن يكون قادما من يثرب ! وهذا هو الاستنتاج الذي فطن إليه هذا الأعرابي القح .
فائدة ثانية : ان المطالب لا تأتي بالتمني ، فها هو الجهد يبذل ... بل من الطرفين ... للحصول على النصر ، أبو سفيان يستكشف ويستعلم ويرسل إلى أهل مكة ، أبو جهل يحشد الجيش ، وأشراف مكة يمولون ، وعتبة بن ربيعة يمد بالرأي ... ونفس الاستعدادات كانت على الجانب الآخر : تجييش الجيش وتوزيع القيادات ووضع الخطة الحربية ، ولكن هنا في معسكر الإيمان كان هناك أمر آخر لا يوجد لدى أهل الشرك ... إلا وهو الاستعانة برب العالمين وسؤال المدد من السماء ، كانت هذه نقطة جوهرية أدت إلى انتصار الإسلام وخذلان الكفر .
حقوق النسخ © بواسطة موقع جماعة أنصار السنة المحمدية بالسودان جميع الحقوق محفوظة.