حاصرت قريش النبي صلى الله عليه وسلم وبني هاشم حصارا اقتصاديا، اجتماعيا،
سياسيا، ونفسيا، وقطعت عنهم الميرة والمادة حتى اضطروا إلى أكل الجلود و ورق
الشجر من شدة الجوع، وكان يسمع من وراء شعب أبي طالب أصوات نسائهم وصبيانهم
يتضاغون من الجوع، واستمر الحال على ذلك ثلاثة أعوام كاملة.
كانت قريش قد كتبت (صحيفة ميثاق) تواثقت فيه بطونها على هذه المقاطعة وهذا
الحصار.. ولكن كان هناك من يتململ ولم يرض هذا الظلم الذي لحق ببني هاشم،
والنبي المصطفى صلى الله عليه وسلم.. وجاء انبلاج الفجر وتفريج الكربة من هؤلاء
(المتململين): هشام بن عمرو، وزهير بن أبي أمية (أمه عاتكة بنت عبد المطلب)،
والمطعم بن عدي، وأبو البختري بن هشام، وزمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد..
واتفق هؤلاء الخمسة على نقض صحيفة الميثاق القرشي، التي كتبت قريش فيها وتحالفت
على بني هاشم وبني المطلب (أن لا يناكحوهم، ولا يبايعوهم، ولا يجالسوهم، ولا
يخالطوهم، ولا يدخلوا بيوتهم، ولا يكلموهم، حتى يسلموا إليهم رسول الله صلى
الله عليه وسلم للقتل).
وذهب الرجال الخمسة إلى الحرم.. وطاف زهير بن أبي أمية المخزومي بالبيت سبعا ثم
أقبل على الناس، فقال: يا أهل مكة أنأكل الطعام، ونلبس الثياب، وبنو هاشم هلكى،
لا يباعون ولا يبتاع منهم؟ والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة.
قال أبو جهل وكان في ناحية المسجد: كذبت والله لا تشق، فقال زمعة بن الأسود:
أنت والله أكذب. ما رضينا كتابتها حيث كتبت، قال أبو البختري: صدق زمعة لا نرضي
ما كتب فيها ولا نقر به.
قال المطعم بن عدي: صدقتما وكذب من قال غير ذلك، نبرأ إلى الله منها ومما كتب
فيها.
وقال هشام بن عمرو نحوا من ذلك... وتم فك الحصار.
* الدرس المستفاد:
هل الحصار ضد المسلمين اليوم موجود؟ نعم... على الرغم مما فيهم من تقصير وبعد
عن تحكيم الشرع في مناحي الحياة... نعم، فأعداء الإسلام لا يريدون حتى مجرد
ارتفاع النداء للصلاة أو قول (الله اكبر) فما دامت هذه فينا موجودة، فالحصار
مستمر والحرب مستعرة، ولكن القصة تنبهنا إلى أسلوب يمكننا استخدامه من أجل رفع
الحصار عنا.. أن يكون هناك من بني جلدتهم.. من رجالهم.. ومنظماتهم وأحزابهم من
يمكن أن يتحرك من أجل نصر قضية الإسلام... هل وصل بنا اليأس إلى حد القناعة من
أنه لا يمكن أن يوجد في مجتمعات (الآخر) من ينصر قضية محاصرة المسلمين في شعبهم
وبلادهم؟
إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر، وبأقوام لا خلاق لهم.. فكيف نقول أن تلك
المجتمعات قد خلت من شخص (حقاني) يقول لا لرؤسائه (وأبي جهله) ويقف ضد الظلم
والطغيان.. يا معشر المسلمين ابحثوا عن هذا النوع من الناس في مجتمعاتهم.. إنه
موجود وستجدونه.
ويبقي بعد ذلك مسلمو الغرب.. من أبناء أوروبا وأمريكا الذين يرفضون سياسات
حكوماتهم التي تحاصر المسلمين وتغزوهم في ديارهم، إنهم حتما مناصرون لقضيتنا
وهم أولى من المتعاطفين معنا من غير المسلمين، وهؤلاء يمثلون رأس الرمح في فك
الحصار المفروض علينا.. هذا إن توحدت الجهود وصدقت الغاية.
حقوق النسخ © بواسطة موقع جماعة أنصار السنة المحمدية بالسودان جميع الحقوق محفوظة.