ليس بجديد الأسلوب الذي تمارسه قوى البغي والطغيان علينا اليوم.. في التلويح
بالعقوبات والحصار وسياسة التجويع، فعلى الرغم مما فينا من معاصي ومخالفات
للشرع الحنيف، وعلى الرغم مما عندنا من نقص في الالتزام وتعاملنا مع المنهج
الرباني بالمثل العامي الذي يقول : (القحة ولا صمت الخشم).. وما عندنا فهو بحمد
لله أكثر من (الكحة)، فنحن نشهد الجمع والجماعات ونصلي ونقرأ القرآن..(و يس)،
ولكن حتى هذا الموجود – قل أو كثر – لا يريدونه، ولذا يستخدمون الأسلوب تلو
الأسلوب ويمارسون الضغط ثم الضغط حتى يتم (الانسلاخ الكلي) من الدين الحنيف،
ونتبع ملتهم وعند ذلك يحدث منهم الارتياح ويرفع الحصار، وتتدفق المساعدات :
قمحا وآلات ! وتقنية !!
لقد قال المنافقون يوما ما : (لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا) ...
ها قد اتضح هدف الحصار.. تشتيت شمل المسلمين بتجويعهم .. وهؤلاء يظنون أن
المسلمين مجتمعون على المادة، على الأكل، على الشهوة.. كما تجتمع أمم الغرب
والشرق اليوم. إن المسلمين يجتمعون على العقيدة وعلى الفكرة التي تعني
(المنهج)، ولذا ضمدوا في وجه الحصار..
ولم يكن حصار المنافقين في المدينة جديدا عليهم، فقد جربوا حصارا قبله : كان
أشد ، و أمر، وأقسى، وكان النجاح حليفهم في الحالتين.
كان الحصار الأول في شعب أبي طالب، في مكة، عندما اجتمع أهل قريش في خيف بني
كنانة من وادي المخصب، فتحالفو، على بني هاشم ونبي طالب أن لا يناكحوهم، ولا
يبايعوهم ولا يجالسوهم، ولا يخالطوهم، ولا يدخلوا بيوتهم، ولا يكلموهم، حتى
يسلموا إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتل. وكتبوا بذلك صحيفة فيها عهود
و مواثيق : (أن لا يقبلوا من بني هاشم صلحا أبدا، ولا تأخذهم بهم رأفة حتى
يسلموه للقتل). وكتب الصحيفة بغيض بن عامر بن هاشم، فدعا عليه رسول الله صلى
الله عليه وسلم فشلت يده.
تم هذا الميثاق وعلقت الصحيفة في جوف الكعبة، فانحاز بنو هشام وبنو المطلب
مؤمنهم وكافرهم – إلا أبا لهب – وحبسوا في شعب أبي طالب ليلة هلال المحرم سنة
سبع من البعثة.
واشتد الحصار، وقطعت عنهم الميرة والمادة، فلم يكن المشركون يتركون طعاما يدخل
مكة ولا بيعا إلا بادروا فاشتروه، حتى بلغهم الجهد، والتجأوا إلى أكل الأوراق
والجلود، حتى كان يسمع من وراء الشعب أصوات نسائهم وصبيانهم يتضاغون من الجوع
....
هذه قصة (حصار شعب أبي طالب) الذي استمر ثلاث سنوات كاملة، ومن يومها ما فتىء
السيناريو يتكرر على أهل الإسلام قرنا بعد قرن وعقدا بعد عقد ..
أما كيف خرج المسلمون من الحصار يومها، وكيف سيخرجون الآن.. فهذا موضوع المقال
القادم إن شاء الله تعالى.
حقوق النسخ © بواسطة موقع جماعة أنصار السنة المحمدية بالسودان جميع الحقوق محفوظة.