عندما تحدث السيد/ صفي الرحمن المباركفوري في كتابة القيم ( الرحيق المختوم ) عن ديانات العرب في الجاهلية ما نصه :
وكانوا يؤمنون بأخبار الكهنة والعرافين والمنجمين ، والكاهن : هو من يتعاطي الأخبار عن الكوائن في المستقبل ، ويدعي معرفة الأسرار ، ومن الكهنة من يزعم إدراك الغيب بفهم ألمطية ومنهم من يدعي معرفة أمور بمقدمات وأسباب يستدل بها علي مواقعها من كلام من يسأله أو فعله أو حاله ، وهذا القسم يسمي عرافاً ، كمن يدعي معرفة المسروق ومكان السرقة والضالة ونحوهما . والمنجم : من ينظر في النجوم أي الكواكب ، ويحسب سيرها ومواقيتها ، ليعلم بها أحوال العالم وحوادثه التي تقع في المستقبل . والتصديق بأخبار المنجمين هو الحقيقة إيمان بالنجوم ، وكان من إيمانهم بالنجوم الإيمان بالأنواء ، فكانوا يقولون : مطرنا بنوء كذا وكذا . أه كلامه .
وقليل من التأمل في حال مجتمعنا السوداني يجعلنا ندرك سريعاً أن ما كان يؤمن به العرب في جاهليتهم ما زال مستشرياً في واقعنا المعيش ! فالمجتمع – بكل أطيافه يحوي أعداداً معتبرة من الذين يؤمنون بالكهانة أو العرافة أو التنجيم ، تشاهد ذلك في قطاعات المثقفين والعوام والرياضيين وأهل الفن والغناء .
فالمثقفون في بلادنا دأبوا علي قراءة صفحات ( أنت والنجوم ) ... ( حظك اليوم ) ... ( حظك من السماء ) في الصحف والمجلات السيارة ، وهذه الأبواب وإن اختلفت أسماؤها إلا أن فكرتها واحدة ... فهي تتكهن لكل مجموعة من الناس حسب ( البرج ) الذي ولدوا فيه : برج الحمل ، برج الدلو ، برج القوس ... إلخ . وإذا رجعت إلي أول المقال تجد أن العريف التنجيم والكهانة ينطبق علي أمثال هؤلاء الذين تقول لهم صفحة الأبراج : ( مفاجأة سعيدة تنتظرك هذا الأسبوع ) ... ويظل " المثقف " ينتظر المفاجأة ولا تأتي ! ولكن ينطبق عليه حديث الرسول صلي الله عليه وسلم : ( من أتي عرافاً فسأله عن شئ فصدقه لا تقبل له صلاة أربعين يوماً ) فإذا كان هذا حال المثقفين الذين يقرأون فكيف بالعوام الذين ( يتحكرون ) عند راميات الودع وضاربي الرمل وباعة ( العروق ) ؟ .
أما الرياضيون فنصيبهم من هذا الاعتقاد الفاسد كبير ، ولا تفتأ المجتمعات الرياضية تتحدث عن " الأناطين " والهمس دائماً يدور حول ( لعيبة كبار ) لا ينزلون الميدان أبداً إلا إذا تأكدوا أن المبارة ( مكتفة ) ... والجمهور علي هذا الحال ما أن يري كرة أخطأت طريقها إلي المرمي حتى ( يحلف ) بأن الكورة فيها فكي !! .
أما أهل الشعر الغنائي فحدث ولا حرج ، وكأن من مكملات المغني السوداني ولوازمه أن يغني ( لست الودع ) لكى تخبره أين ذهب محبوبه ؟ وهو هنا ينسب علم الغيب لتلك المرأة العجوز ( المشلخة ) التي تسكن في كوخ حقير في أطراف المدينة – تعالي الله عما يقولون .
وقد طرب من طرب بقصيدة نزار قباني ( قارئة الفنجان ) ... التي قالت له ( الحب عليك هو المكتوب يا ولدي ) فصدق تلك المرأة الغجرية الجاهلة التي جعلها تشارك الله جل وعلا في علمه بالغيب .
وقد يقول قائل : إنه يتغني فقط ... بكلام من ( الطوق ولي فوق ) فنقول : كل إناء بما فيه ينضح !! وأمور العقيدة الجادة يجب ألا تخضع لمثل هذه الألاعيب .
حقوق النسخ © بواسطة موقع جماعة أنصار السنة المحمدية بالسودان جميع الحقوق محفوظة.