انقطع سيف عكاشة بن محصن وهو يقاتل أعداء الله ورسوله يوم بدر ، فذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له: انقطع سيفي يا رسول الله ، فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم ـ عوداً وقال له:( قاتل بهذا ! ). فأخذ عكاشة العود من يد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهزَّه ليضرب به الأعداء فاستحال سيفاً طويلاً ، أبيض الحديد ، شديد المتن. قاتل عكاشة بذلك السيف يوم بدر وكان يسمّيه العون وشهد به كل المشاهد مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ.
المعجزة النبوية واضحة في القصّة ، وكذلك الكرامة لهذا الصحابي الجليل ـ رضي الله عنه ـ ... وتبقى لنا بعد ذلك العبر والفوائد ... والفائدة نستشفها عندما نتساءل: من المعلوم بداهة أنّ في مقدور ربنا تبارك وتعالى أن ينزل سيف العون لعكاشة قبل أن يأخذ العود أو العصا من اليد الشريفة ، وفي مقدوره أيضاً جلّ وعلا أن تكون هنالك كمية من الأسياف النارية الصاعقة بحوزة النبي الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ احتياطاً. فلماذا سارت الأمور والأحداث كما تبين من خلال السرد أعلاه ؟.
إنّ المتتبع لأحداث السيرة النبوية يجد دائماً أنّ الإسلام يعلمك أنّه ( لابدّ أن تفعل شيئاً ما) ، كما يقول ـ د.طارق السِّويدان ـ فالسماء لا تمطر ذهباً ولا فضة ، والنبي الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ حقّق معنى التوكل الشرعي يوم بدر. ولم يقل أنا النبي الخاتم حامل لواء الحمد وسأنتصر عملت أم لم أعمل ! اجتهدت أم لم أجتهد ! كلا وألف كلا ولكنه ـ بأبي هو وأمي ـ وضع الخطة الحربية ، ورصَّ الصفوف وكتّب الكتائب واستخدم الأسلحة الموجودة لديه إلى أبعد مدى. وبعد ذلك ذهب إلى عريشه يناجي ربَّه ويسأله النصر.
إنّ النَّصر لا يأتي إلا بعد ( بذل الجهد واستفراع الوسع ) ـ كما يقول الكاتب الكبير عمر عبيد حسنة ـ لقد نزلت الملائكة يوم بدر وقاتلت مع المسلمين ونفذت الأمر الرباني
( فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كلّ بنان ) ونزلت الملائكة أيضاً في غير بدر وقاتلت مع جيوش الإسلام. وفي هذه الأحوال لم يكن المسلمون متفرِّجين ولا مكتوفي الأيدي وإنّما كانوا يقاتلون كأشدِّ ما يكون القتال.
والدرس الذي نستفيده لعالمنا اليوم أن النصر آتٍ ولا ريب ، ولكن بعد أن يصل الجهد مداه ويبلغ الوسع غايته. قوتنا المادية ضعيفة ؟. نعم. البون شاسعٌ بيننا وبين الآخر ؟. نعم... ولكن سينزل المدد الإلهي ويأتي العون الرباني ليسدَّ الثغرة ويكمل النقص بين قوتنا وقوّة الأعداء إذا حققنا التوكل الشرعي وبذلنا الجهد فيما عندنا واستفرغنا كلّ وسع طاقاتنا.
الله تعالى يقول:( لا يكلفُّ الله نفساً إلا وسعها ) ولكن يجب أن أسأل نفسي: ما هو وسعي؟ وهل أوصلته إلى نهايته ؟.
حقوق النسخ © بواسطة موقع جماعة أنصار السنة المحمدية بالسودان جميع الحقوق محفوظة.