خافت قريش أن يدخل الطفيل بن عمرو الدوسي في دين الإسلام وذلك عند قدومه إلى مكة في موسم الحج في السنة الحادية عشرة من النبوة ... إنّ هذا الرجل الأمير الشاعر الذكي له تأثير كبير على قومه ، وإذا دخل دين الإسلام سيتبعه آخرون كثر. ولذا عمدت قريش على مقابلته قبل دخوله مكة ، فاستقبلوه قبل وصوله إليها ، وبذلوا له أجل تحيةٍ وأكرم التقدير ، وقالوا له( يا طفيل إنك قدمت بلادنا وهذا الرجل الذي بين أظهرنا قد أعضل بنا وفرق جماعتنا ، وشتت أمرنا ، وإنّما قوله كالسحر، يفرق بين الرجل وأبيه ، وبين الرجل وأخيه ، وبين الرجل وزوجه، وإنّا نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا، فلا تكلمه ولا تسمعنّ منه شيئاً ) أ هـ.
هكذا إذن !... فهذا دأب الطغاة والظالمين في كل زمان ومكان ، السعي الجاد للحيلولة بين أهل العقول وأصحاب دعوة الحق ومنع وصول كلمة الهداية إليهم بأساليب شتى وطرق عدّة ومحاولة وضع الخواص والعوام داخل صندوق حديدي يمسكون هم بمفاتيحه ويتحكمون فيه فتحاً وقفلاً ( وقالوا لا تسمعوا لهذا القرءان والغوا فيه لعلكم تغلبون ) وهذا الأسلوب في الحصار الفكري والإغلاق الإعلامي أعطى نتيجةـ ولو إلى حين ـ مع الطفيل فهاهو يذكر أثر كلامهم عليه فيقول:( فو الله ما زالوا بي حتى أجمعت ألا أسمع منه شيئاً ولا أكلمه ، حتى حشوت أذنيّ حين غدوتُ على المسجد كـُرْسُفاً ؛ فَرَقاً من أن يبلغني شيءٌ من قوله ... ). إذن فقد أجدت الحيلة فالرجل وضع القطن في أذنيه لكيلا يستمع إلى كلام النبي ـ ـ ولكن هل استمر الإغلاق داخل الصندوق الحديدي لفترة طويلة ؟ لندع الطفيل يكمل القصة:( ... فغدوتُ على المسجد، فإذا هو قائم يصلي عند الكعبة ، فقمتُ قريباً منه، فأبى الله إلا أنْ يسمعني بعض قوله، فسمعت كلاماً حسناً، فقلتُ في نفسي: وا ثـُكـْل أمي، والله إني رجل لبيب شاعر، ما يخفى عليّ الحسن من القبيح، فما يمنعني أنْ أسمع من هذا الرجل ما يقول ؟ فإن كان حسناً قبلتـُه وإن كان قبيحاً تركتـُه ...).
ها قد انكسر الصندوق وفشلت محاولات مصادرة العقول واللعب على الأفهام وجاءت النتيجة الحقَّـة الباهرة على العكس ممّـا أرادتْ قريشٌ تماماً واقرأ بقيّة القصّة:( ... فمكثتُ حتى انصرف إلى بيته ، فاتبعته ، حتى إذا دخل بيته دخلتُ عليه فعرضتُ عليه قصة مقدمي ، وتخويف الناس إيّاي ، وسدّ الأذن بالكرسف ، ثمّ سماع بعض كلامه ، وقلتُ له: أعرض عليّ أمرك ، فعرض عليّ الإسلام ، وتلا عليّ القرءان ؛ فوالله ما سمعتُ قولاً قط أحسن منه ، ولا أمراً اعدل منه ، فأسلمتُ وشهدتُ شهادةَ الحقِّ ، وقلتُ له: إنّي مطاع في قومي ، وراجع إليهم ،وداعيهم إلى الإسلام .... وجاء الطفيل يوم الخندق ومعه سبعون أو ثمانون بيتاً من قومه).
واليوم تحاول كثير من القوى الكبيرة والصغيرة وضع الأذكياء والنابهين والمطاعين داخل الصناديق الحديدية المغلقة لتمنع منهم نور الحق الساطع وأنّى لهم ذلك.
والقصة تعطي أملاً كبيراً للدعاة الذين يرون الآن أنّ القوّى المعادية قد أحكمت حلقاتها الإعلامية حول الأجيال الواعدة وأغرقتهم في بحور الفضائيات والعبث واللهو المحرم وأغلقت آذانهم بكرسف العصر ومنعت وصول القرءان إليهم ... ولكن الله تبارك وتعالى قادر على إسماع الأجيال الصاعدة والواعدة كلامه ، فكما سمع الطفيل بالأمس القرءان رغم الآذان المغلقة فسيسمع الناس اليوم .. فجدّوا أيّـها الدعاة واصبروا وصابروا وابشروا.
حقوق النسخ © بواسطة موقع جماعة أنصار السنة المحمدية بالسودان جميع الحقوق محفوظة.