بروفيسور علي المز روعي في ندوة بالخرطوم حول تلاقي إفريقيا والعالم العربي "الآفرو-أربييا - (Afro-Arabia)"
رصد : محمد خليفة
"عرب وأفارقة.. تقارب مستمر" هو عنوان المحاضرة القيمة التي قدمها البروفسير علي المز روعي مدير معهد الدراسات الثقافية الدولية بنيويورك في إطار فعاليات ملتقى الجامعات الإفريقية الذي استضافته الخرطوم.
وخدمة لقرائنا ننشر نص المحاضرة التي تناولت مجموعة من التساؤلات والرؤى حول النزاعات وما تثيره من مفاهيم جديدة حول إفريقيا والحرب على الإرهاب كما طرح المز ورعي خلال المحاضرة تساؤلات حول عملية العلاقات التاريخية العربية والإفريقية وهل من شأنها أن تجعل من المنطقتين إقليما واحدا ؟ وهل بالإمكان أن تندمل جراحات ماضي العلاقات الإفريقية العربية في ظل توجهات النظام العالمي الجديد ؟
الآفر-أريبيا (Afro-Arabia) بين الجغرافيا والثقافة
لقد قام الفرنسيون ذات مرة بفحص علاقتهم الخاصة مع إفريقي ا وخرجوا من ذلك بمفهوم اليورافر كأساس لتعاون «خاص وعلينا نحن بدورنا أن نفحص العلاقة الخاصة الأقدم بين إفريقيا والعالم العربي ونسميها " الآفرو-أريبيا" .
وعلى كل حال فان أغلبية العرب يقطنون الآن في القارة الإفريقية كما إن الجزء الأعظم من الأراضي العربية تقع في إفريقيا وكما لاحظنا من قبل هنالك مسلمون في نيجيريا أكثر من المسلمين في أي بلد عربي بما في ذلك مصر وبمعنى آخر فان عدد السكان المسلمين في نيجيريا اكبر من عددهم في مصر كما إن القارة الإفريقية عموماً في سبيلها لان تصبح القارة الأولى في العالم ذات أغلبية من المسلمين.
ولكن الآفر-أريبيا لا تمكن فقط في انتشار اللغات ووحدة القصيدة فقد ظهرت مجتمعات إثنية جديدة مثل المجموعات الكوشية كالصوماليين في القرن الإفريقي كما ساعدت عمان واليمن والسعودية في قيام مجموعات جديدة تماماً في الساحل الشرقي لإفريقيا كما شغلت الثقافة السواحيلية والدول السواحيلية الصغيرة حيزاً كبيراً في تاريخ إفريقيا وتراثها بينما أضحت عمان محوراً للتاريخ الحديث للتراث السواحيلي.
كما يشكل سكان أريتريا الشجعان جسراً الآفر-أريبيا ولو أنهم يترددون في ذلك وحتى البربر في شمال إفريقي ا يمثلون حالة خاصة الآفر-أريبيا.
وربما يكون اسم «إفريقي ا» قد أخذ من إحدى لغات البربر وكان يستخدم في الإشارة إلى ما يعرف الآن بتونس فالقارة قد استعارت اسمها مما يعرف الآن بـ «إفريقي ا العربية» فهل هنالك حجة أقوى من ذلك لدعم الدعوة الآفر-أريبيا؟
ثم هنالك عمليات الهجرة وتحركات السكان بين إفريقي والعالم العربي عبر القرون فهنالك آثار لمستوطنات عربية على الساحل الإفريقي الشرقي والقرن الإفريقي قبل ميلاد النبي محمد «ص» بكثير كما أن سيدنا بلال كأول وأعظم مؤذن في الإسلام يقف شاهداً على وجود إفريقي في مكة والمدينة قبل الإسلام فقد كان بلال هناك قبل أن يعتنق الإسلام وهذا يرمز إلى وجود صلة عربية قديمة مع إفريقي ا الآفرو-أريبيا إذا قد سبقت الهجرة الإسلامية.
والإسلام ذاته يكاد يكون قد ظهر في وقت واحد تقريباً في إفريقيا والجزيرة العربية فقد هاجر المسلمون إلى إثيوبيا طالبين اللجوء الديني خلال الأيام الأولى للرسول محمد صلى الله عليه وسلم عندما كان هو وأتباعه يتعرضون للاضطهاد في مكة كما إن الحفريات الآثارية قد كشفت عن بقايا مساجد يعود تاريخها إلى السنوات الأولى لظهور الإسلام. فالإسلام كأحد عناصر الآفرو-أريبيا يعود إلى أربعة عشر قرناً من التاريخ.
وهنالك أيضا تأثير اللغة على الآفرو-أريبي واللغة التي يتحدث بها اكبر عدد من الناس في قارة إفريقيا ما زالت هي اللغة العربية كما إن أكثر اللغات الإفريقية المحلية انتشاراً وهي السواحيلية في شرق إفريقي أو الهوسا في غرب إفريقيا متأثرتان إلى حد بعيد باللغة العربية وبالإسلام وهذا شاهد آخر على الآفرو-أريبيا.
والصلات اللغوية بين إفريقيا والجزيرة العربية أقدم بكثير من الإسلام وبينما يدرك كل شخص إن اللغة العربية هي لغة سامية ليس هناك عدد مماثل من الناس يعرفون أن اللغة الأمهرية وهي اللغة المحلية السائدة في إثيوبيا هي أيضا سامية وقد انقسم المؤرخون حول ما إذا كانت اللغات السامية قد نشأت في إفريقيا قبل أن تعبر البحر الأحمر أم إنها قد ظهرت في شبه الجزيرة العربية. ثم عبرت فيما بعد إلى إفريقي أو هذه الاختلافات في حد ذاتها تشكل جزءاً من حقيقة إثيوبيا.
قوى الطرد المركزي
وهنالك عمليتان في عصر العولمة الجديد تسعى كل منهما لإعادة تعريف الدولة فقوى الطرد المركزي تؤدي إلى التشرذم والانفصال وأبرز مثال لذلك تفكك الاتحاد السوفيتي، أما قوى الجذب المركزي فإنها تخلق مجموعات اقتصادية وسياسية أكثر؛ وكان قد تم تحديد العام «1992م» لتحقيق تكامل اقتصادي أعمق داخل المجموعة الأوروبية ويتبع ذلك انضمام دول جديدة قبل نهاية القرن العشرين وقد شهد القرن الجديد توسعاً أوروبياً إضافيا.
أما في العالم العربي فإن أبرز حالات الطرد المركزي كانت في العراق ولبنان والسودان فقد واجه عراق صدام حسين اضطهاداً مركزياً وعزلاً اثنياً كما كان الأكراد والشيعة يدخلون في مواجهات مسلحة في كثير من الأحيان. أما لبنان فلم يضمد بعد انقساماته الطائفية بينما يتمزق السودان ليس فقط بسبب الحرب الأهلية في الجنوب بل أيضا بسبب التوترات الدينية والسياسية في الغرب الشمالي.
إن الطرد المركزي ليس قاصراً على السودان بل يمتد أيضا ليتخذ هيئة صراع اثني في إثيوبيا وليبيريا والصومال والسنغال وحتى نيجيريا ولو بحدة اقل.
وبالإضافة إلى قوى الطرد المركزي القومية هنالك قوى إقليمية أوسع للتشرذم في إفريقي ا والعالم العربي وقد كانت أزمة الخليج في عامي «1990م ـ 1991م» واحدة من أكبر الأحداث التي أدت إلى التشرذم في التاريخ العربي الحديث. ومن الأمور التي لا تصدق قيام إحدى الدول العربية بابتلاع دولة أخرى تماماً وكان ذلك هو احتلال العراق للكويت لوقت قصير.
والأمر الآخر الذي لا يصدق قد حدث في العام «1991م» قصفت قنابل وصواريخ عربية مدن دولة عربية شقيقة وفيما لم تندمل جراحات الانقسام العالم العربي بعد. ومن سخرية الأقدار تنشب حرب تقودها أمريكا في العام «2004م» ضد العراق لتساعد في تضميد الجراح العربية.
إن إفريقيا لم تدخل عقد التسعينات وهي مقسمة بشكل عميق على المستوى الإقليمي مثلما حدث للعالم العربي إلا أن الوضع الاقتصادي قد أصبح سيئاً منذ التسعينات.
كما أن الإرادة السياسية للسعي لتحقيق الوحدة الإفريقية تأرجحت بين منظمة الوحدة الإفريقية والاتحاد الإفريقي الجدد.
إلا أن هناك تطورين سعيدين في التسعينات قد ساعدا دون قصد في تخفيف التزامات عموم إفريقيا فقد كانت نهاية الفصل العنصري السياسي في العام «1994م» بكل المقاييس نبأ ساراً لإفريقيا وللإنسانية جمعاء. ولكن الكفاح ضد الفصل العنصري قد كان لفترة طويلة قوة فاعلة في وحدة إفريقيا على الأقل قوة فاعلة مثلما كان النضال في العالم العربي ضد الصهيونية إلا انه بينما ما زالت «الصهيونية قوية ومتحدية انهار الفصل العنصري السياسي على الرغم من أن الفصل العنصري الاقتصادي ما زال قائماً وكان لزاماً على إفريقيا أن تدفع ثمن نجاحها فنهاية الفصل العنصري قد أفقدت إفريقيا قوة توحيدية أساسية ولكنه من حسن الطالع تدعم جنوب إفريقيا بقيادتها السوداء بعد نهاية الفصل العنصري الحركات الإفريقية.
أما التطور السعيد الآخر في إفريقيا منذ التسعينات فقد تمثل في الكفاح من اجل ديمقراطية أوسع تمتد من دار السلام إلى داركار ومن لوسكا إلى لاغوس ومن الجزائر إلى كنشاسا وقد تمت مناشدة الحكام الأفارقة أن يكونوا أكثر خضوعاً للمحاسبية وبينما كانت الحركة الديمقراطية تحرز تطوراً مثيراً في إفريقيا فإنها قد جعلت أذهان المواطنين تركز على القضايا المحلية في كل دولة بدلاً من قضايا الوحدة القارية كما أصبح التأثير الإقليمي والحركة الديمقراطية أمرا مركزياً بشكل عام على الأقل على المدى القصير.
وبينما نجد كل من إفريقيا والعالم العربي منقسم في الداخل وفقاً للسياسات المعاصرة فان الإقليمين المترادفين تربط بينهما عوامل تاريخية وجغرافية وقد كانت ما نسميها الآن الجزيرة العربية في وقت من الأوقات جزءاً لا يتجزأ من إفريقيا وينبغي علينا الاهتمام بهذه «الدروس الجيوفيزيائية» المتعلقة الآفرو-أريبيا.
القارة السوداء والبحر الأحمر
إن نظريتنا المركزية في هذا الجزء من المحاضرة هي انه ليس من حق البحر الأحمر فصل إفريقيا عن الجزيرة العربية.
أين إذا تقع إفريقيا؟ ما هي إفريقيا؟ وما مدى معقولية حدودها؟ ويمكن أن تكون الجزر بعيدة جداً عن إفريقيا إلا أنها مع ذلك تعتبر جزءاً من إفريقيا شريطة إلا تكون قريبة جداً من يابسة رئيسية أخرى ولكن يمكن أن تنفصل شبه الجزيرة عن إفريقيا مجازاً.
فجزيرة مدغشقر يفصلها عن قارة إفريقيا القنال الموزامبيقي الذي يبلغ عرضه «500» ميل بينما تقع اليمن الكبرى على مرمى حجر من جيبوتي وعلى الرغم من ذلك فان مدغشقر تعتبر سياسياً جزءاً من إفريقيا بينما لا تعتبر اليمن الكبرى كذلك.
وقد اهتمت العديد من الدراسات الإفريقية التي تلت الفترة الاستعمارية باصطناعية حدود الدول الإفريقية الحالية بينما لم يكن هنالك اهتمام باصطناعية حدود القارة الإفريقية نفسها فلما تنتهي حدود شمال إفريقيا عند البحر الأحمر بينما لا ينتهي شرق إفريقيا عند قنال موزمبيق؟ ولماذا تكون تناناريف عاصمة إفريقية ولا تكون عدن كذلك؟
كان يدور حوار في إفريقيا عن: هل الصحراء فتق أو صلة وصل. الإفريقيون القاريون يزعمون أن الصحراء هي بحر للاتصال وليست فتق انفصال ولكن هنالك من يقولون إن شمال إفريقي ا ليس إفريقيا في الواقع لماذا؟ لأنه أكثر شبهاً بالجزيرة العربية.
ولكن في هذه الحالة لماذا لا نحرك حدود شمال إفريقيا شرقاً لتشمل جزيرة العرب؟ ولماذا لا نرفض الإقرار بان البحر الأحمر هو عبارة عن فتق ارضي تماماً كما رفض الإفريقيون الإقرار بان الصحراء تلعب مثل هذا الدور؟ ولماذا لا نزعم بان قارة إفريقيا لا تنتهي عند أقصى جنوب الصحراء أو عند الساحل الغربي للبحر الأحمر؟ إلا يمكن أن تتحرك إفريقيا شمالاً حتى البحر المتوسط وشمالاً شرقياً حتى الخليج الفارسي؟ وكبديل هل يمكن تسمية هذا المفهوم آفرو-أريبيا؟
يمكن أن يكون البحر الأحمر هو البحر الأكثر ركوداً في التاريخ الإفريقي وقد اعتبر هذا الخط الرفيع من المحيط هو الخط الأمثل لتحديد نهاية إفريقيا على الرغم من كل الدلائل الجيولوجية والجغرافية والتاريخية والثقافية. وقد تم تحديد الحدود الشمالية الشرقية لإفريقيا بشريط مائي بعكس ما تقول دلائل بيئية وجغرافية ضخمة.
إن المسألة ترجع تاريخياً لفترة تتراوح ما بين ثلاثة إلى خمسة ملايين عاماً عندما حدثت ثلاثة شقوق في الجانب الشرقي لإفريقيا. وقد قال كولن ماكيفدي: لقد فصل أحد الأخاديد جزيرة العربي خالٌاً بذلك خليج عدن والبحر الأحمر وخافضاً ساحة الاتصال بين إفريقيا وآسيا حتى برزخ السويس.
وقبل انفلاق البحر الأحمر كان هناك انفلاق إفريقيا لتكوين البحر الأحمر كفاصل وقد حدثت ثلاثة صدوع في قشرة إفريقيا ولكن فقط ذلك الذي نتج عنه بحر هو الذي فصل الأراضي التي تقع وراء البحر عن إفريقيا. أما الصدعين الآخرين فقد أصبحا واديين وأخدودين مستقيمين توسط عرضهما ثلاثون ميلاً وقد أبقى الصدعين الشرقي والغربي القارة الإفريقية كتلة واحدة ولكن ظهور الشريط المائي الذي يسمى البحر الأحمر قد أدى إلى فصل جزيرة "العرب جيولوجياً".
ولكن الانفصال الذي أحدثه الصدع الجيولوجي ظلت القوى الجغرافية والتاريخية والثقافية تحاول إعادة ربطه منذ ذلك الحين فمن هم أمهريو إثيوبيا إن لم يكونوا أناسا قد تحرروا من عرب جنوب الجزيرة؟ وما هي الأمهرية إن لم تكن لغة سامية؟ وما هي اللغة السامية إن لم تكن أحد أفرع أسرة اللغات الآفرواسيوية؟
وهل اللغة السامية الأم قد ولدت في إفريقي ا ثم عبرت البحر الأحمر ؟ أم هل هي من جزيرة العرب في الأصل ثم هبطت على الأمهريين والتقراي والهوسا في إفريقيا؟ وإلى أي حد يعتبر الصوماليون جسراً بين جزيرة العرب وإفريقيا؟ كل هذه الأسئلة اللغوية الثقافية تثير قضية ما إذا كان الانفصال الجيولوجي لجزيرة العرب قبل ثلاثة إلى خمسة ملايين عاماً قد تم في إطار تحييد تلك القضية من قبل آفرو-أريبيا التي تمثل التلاحم الثقافي الوثيق بين جزيرة العرب والقرن الإفريقية وبقية إفريقيا.
وفي المجال اللغوي من المؤكد انه لم يعد من السهل أن نحدد أين تنتهي اللغات المحلية الإفريقية وأين تبدأ التوجهات السامية.
وفي وقت من الأوقات اعتبر الحاميون والساميون أساسا غرباء عن إفريقيا وبمرور الزمن اعتبر الحاميون فئة خيالية بينما تم قبول الشعوب التي يشملها هذا التفريق «مثل التوتسي» كأفارقة دون منازع. وماذا عن السامية؟ لقد كان لهم وجود في تاريخ العالم بلا شك ولكن هل هم أفارقة عبروا البحر الحمر كما فعل سيدنا موسى عند هروبه من فرعون؟ أم هل الساميين في الأساس عرب توغلوا في إفريقي ا؟ ويمكن حسم هذه المسائل المضنية المتعلقة بالهوية بين عشية وضحاها إذا كانت جزيرة العرب جزءاً لا يتجزأ من إفريقيا أو إذا تجذر نوع جديد من التضامن حول آفرو-أريبا.
إن الجهد الثقافي لإعادة دمج جزيرة العرب مع إفريقيا بعد خمسة ملايين عام من الانفصال الجيولوجي قد سبق وإن بلغ مرحلة جديدة بعد ظهور الإسلام وانتشاره كما أن اجتياح العرب لشمال إفريقي ا قد تم في إطار عملية التغلب على عقبة البحر الأحمر كفاصل.
وقد جرت عمليتان توأمان في شمال إفريقيا وهما: الأسلمة «اعتناق دين محمد صلى الله عليه وسلم» والاستعراب «وهو التمثيل اللغوي في لغة العرب»، وبمرور الزمن أصبحت الغالبية العُظمى من سكان شمال إفريقيا عرباً لا يقلون في ذلك عن سكان شبه الجزيرة العربية، وباختصار فإن أسلمة واستعراب شمال إفريقي ا قد أصبحتا قوتين ثقافيتين تستهدفان محور آثار الانفصال الجيولوجي الذي أحدثه مولد البحر الأحمر قبل آلاف السنين. وقد أوقع هذا الوضع سكان شمال إفريقيا في مأزق فهل هم أفارقة كالشعوب التي تقطن إلى الجنوب منهم؟ والأمر الذي لم تتم إثارته بعد هو هل العرب الذين يقفون إلى الشرق من البحر الأحمر هم أفارقة كالعرب الذين يسكنون إلى الشمال من الصحراء؟.
ولكن إذا كان من الممكن تجاهل البحر الأحمر في وضع الحدود الشمالية الشرقية لإفريقيا لماذا لا يمكن أيضا تجاهل البحر المتوسط كحد لإفريقيا من الشمال؟ وفي الواقع كان شمال إفريقيا يعتبر في وقت من الأوقات امتداداً لأوربا. ويعود ذلك إلى أيام قرطاجة والاستعمال الهيليني «الاغريقي» وإلى الامبراطورية الرومانية فيما بعد. وإن مفهوم أوربا مازال يجري تكوينه في ذلك الوقت، وكما يقول المؤرخان آر.آر. بالمر وجويل كولتون: في الواقع لم يكن هناك ما يعرف بأوروبا في العصور القديمة الامبراطورية الرومانية قد ترى عالم البحر المتوسط أو حتى غرباً وشرقاً في الأجزاء اللاتينية والإغريقية.
ولكن كان الغرب يضم أجزاء من إفريقيا وأوربا، لقد كان من الصعب حتى القرن السابع عشر فهم حقيقة أن اليابسة الواقعة جنوب البحر المتوسط أرض تختلف عن تلك التي تقع في شماله، وقد أشار الكاتب الأمريكي المتخصص في الشؤون الإفريقية إلى أن الجغرافي الملكي الفرنسي قد وصف في عام 1656 إفريقيا بأنها "شبه جزيرة كبيرة لدرجة أنها تمثل الجزء الثالث من قارتنا وهي في أقصى الجنوب".
وقد كانت آخر محاولة يائسة في العصر الحديث للطرح القديم القائل بأن شمال إفريقيا يمثل الجزء الجنوبي من أوربا محاولة فرنسا إلغاء الجزائر جزءاً من فرنسا وقد مزق في فرنسا في الخمسينات هذا الوهم البائس والقائل بأن الجزائر هي الجزء الجنوبي لفرنسا وخلق هذا الأمر الأزمة التي أدت إلى أن يتولى شارل ديجول السلطة في عام 1958م مع استمرار التوتر بين اليمين واليسار في فرنسا حتى نالت الجزائر استقلالها في عام 1962م وأعقبت ذلك المرارة التي ختم بها ديجول عهده.
وقد بذل هذا الجهد للحفاظ على الجزائر كامتداد جنوبي لدولة أوروبية عندما أصبحت أجزاء أخرى من شمال إفريقيا امتداداً غربياً لجزيرة العرب، وقد بدأت عملية التعريب الأسلمة منذ القرن السابع في تغيير هوية شمال إفريقيا وبما أن حدود إفريقيا تقف عند البحر الأحمر أصبح العرب يقطنون قارتين مما يصعب معه تعريفهم بأنهم أفارقة أو آسيويون. كما أن غالبية الشعوب العربية كانت بدخول القرن العشرين تسكن إلى الغرب من البحر الأحمر «أي إفريقيا الحقيقية» على الرغم من أن غالبية الدول العربية كانت تقع إلى الشرق من البحر الأحمر«وهذه المنطقة تعتبر غرب آسيا»، وكما أشرنا من قبل فإن عدد من يتحدثون اللغة العربية في إفريقيا الحالية يزيد بكثير عنهم في شبه الجزيرة العربية، وقد أصبحت اللغة العربية بالفعل أهم لغة في القارة الإفريقية من حيث عدد المتحدثين بها. إن اعتبار الجزيرة العربية جزءاً من إفريقيا لهو الآن أقوى بكثير من اعتبار شمال إفريقي ا جزءاً من أوربا. وقد أعادت الأسلمة والتعريب تحديد هوية سكان شمال إفريقيا بشكل أقوى بكثير مما فعلته الفرانكفونية أو الأنجلوفونية.
وعلى الرغم من قرب صخرة جبل طارق من إفريقيا فإن البحر المتوسط يعتبر كحد فاصل بين إفريقيا وأوربا أكثر إقناعاً من البحر الأحمر كفاصل بين إفريقيا وآسيا.
إن الحدود مصطنعة ولكن هناك حدوداً تعتبر أكثر اصطناعاً من الأخرى. أما آفرو-أريبيا فلديها ألفي عام على الأقل من التاريخ اللغوي والديني مما يجعلها واقعاً ثقافياً وجغرافياً.
آفرو-أريبيا والفصل العنصري العالمي
إن التوجه الأجدر بالمراقبة لهو ظهور الفصل العنصري الدولي، فالعالم الأبيض يوحد صفوفه على الرغم من تفكك الاتحاد السوفيتي ويوغسلافيا فقد بلغت النزعة الأوربية مستويات جديدة في التضامن يمتد من الأورال وحتى جبال البرينيس، فالاتحاد الأوربي يتألف الآن من 25 عضواً مع ملاحظة أن اتفاقية تأسيسه قد وقعت عليها 12 دولة فقط في روما في عام 1958م.
وفي أمريكا الشمالية تتكون حالياً كتلة اقتصادية ضخمة تضم الولايات المتحدة وكندا وربما المكسيك بالإضافة إلى مطامح تكميلية أوسع في نصف الكرة الأرضية، ولكن عندما ننظر عن كثب لهذا النظام العالمي الجديد يبدو لك توجهين مقلقين حيث نجد العرب والمسلمين ضحايا الخطوط الأمامية العسكرية في النظام العالمي الجديد بشكل غير متكافيء كما نجد السود وبشكل غير متكافيء أيضا ضحايا الخطوط الأمامية الاقتصادية في الفصل العنصري الدولي المتنامي.
وتشمل هذه الأحداث والحالات العسكرية التي وقع فيها المسلمون ضحايا ما يلي:-
آ/ غزو العراق واحتلاله في 2003-2004م.
ب/ دعم الاحتلال الوحشي لقطاع غزة والضفة الغربية.
ج/ السماح لإسرائيل بامتلاك القوة النووية ومحاولة منع هذه القوة من العالم الإسلامي «استطاعت باكستان اقتحام طريقها».
د/ دعم القدرة العسكرية لإسرائيل في المنطقة.
هـ/ قصف بيروت أثناء إدارة رونالد ريجان.
و/ قصف طرابلس وبنغازي في ليبيا أيضا خلال عهد ريجان.
ز/ إسقاط طائرة مدنية إيرانية في الخليج وقتل كل من كانوا على متنها خلال إدارة ريجان أيضا.
ح/ قرار بوش الأب بكسب الوقت بدلاً عن الأرواح خلال أزمة الخليج في عامي 90-1991م مما أدى إلى مصرع مئات الآلاف من البشر.
ط/ الضربات الأمريكية المتوقعة ضد إيران وسوريا.
لقد شكل المسلمون ثلثي الخسائر البشرية التي نجمت عن النشاط العسكري الأمريكي منذ حرب فيتنام بما يزيد عن مليون قتيل وكان الضحايا المسلمون فلسطينيين وعراقيين ولبنانيين وإيرانيين وآخرين.
وإذا كان المسلمون ضحايا الخطوط الأمامية العسكرية فقد كان السود ضحايا الخطوط الأمامية الاقتصادية للنظام العالمي الجديد:
1. فترة أربع سنوات من الدعم الغربي لأنظمة إفريقية فاسدة وغير مؤهلة.
2. التبعات السالبة لتعديل الهيكلة الاقتصادية تحت سيطرة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في التسعينات.
3. المظالم الناجمة عن أسعار السلع العالمية في مقابل الاقتصاديات الإفريقية الهشة.
4. الطبقة السوداء الضخمة المضطهدة في الولايات المتحدة مع إضافة الإيدز للفقر والجريمة وعدم التوازن الاجتماعي.
5. تنامي العنصرية وكراهية المسلمين في أوربا "فرنسا وألمانيا وبلجيكا."
6. تحول المحكمة العليا الأمريكية من اليمين الأمر الذي يهدد مكاسب الحقوق المدنية والأقليات.
إن العلاقة بين الغرب والآفرو-أريبيا لا تخلو أحياناً من خطوط قضية هنا وهناك وكان أبرز شيء في هذا الإطار التحسن الذي طرأ على العلاقات بين الولايات المتحدة وليبيا عندما تخلت ليبيا عن أسلحة الدمار الشامل، وعلى كل فإن النظام الدولي الجديد يهدد بسقوط عدد كبير من القتلى وسط المسلمين كما يهدد بتزايد أعداد الفقراء وسط السود.
إن الآفرو-أريبيا تحمل في طياتها الحل فالمصالحة بين العرب والأفارقة ستظل الحاجة إليها قائمة ونرجو ألا تكون بطيئة مثل المصالحة التي حدثت بين أمريكا وبريطانيا بعد المواجهات التي وقعت بينهما في عام 1776 و1812م، كما نرجو أيضا ألا يكون التقارب بين العرب والأفارقة ضحلاً كالذي حدث بين أمريكا واليابان، وعلى العرب والأفارقة أن يتعلموا درس السرعة من اليابان وأمريكا ودرس الأخوة العميقة من التجربة التي مرت بها بريطانيا وأمريكا.
لقد أقمنا مؤسسات عربية مخصصة لمساعدة إفريقيا مثل المصرف العربي للتنمية الاقتصادية في إفريقيا بالخرطوم، ولكن ليس لدينا مؤسسات إفريقية لمساعدة الدول العربية الأفقر التي تقع خارج إفريقيا.
ولابد من وجود أجهزة مبتكرة تبعد اعتبار العرب كمانحين على الدوام والأفارقة محتاجين على الدوام بمساعدات أجنبية، ويمكن أن تحشد المؤسسات الآفرو-أربية موارد الدول العربية والإفريقية الغنية نسبياً وتوزع تلك الموارد لتغطي احتياجات الدول الفقيرة في إفريقيا والعالم العربي وستكون المؤسسات الآفرو-أربية تحت إشراف عربي وإفريقي مشترك.
وخلاصة القول يمكن أن توجه الأموال الإفريقية لمساعدة الدول العربية الفقيرة مثل اليمن وحتى فلسطين تماماً كما ساعدت الأموال العربية دولاً إفريقية مثل زائير «الآن جمهورية الكونغو الديمقراطية» وهل سوف ننتظر مثل هذه العمليات التجريبية حتى يتقوى حكم الأغلبية في جنوب إفريقيا تماماً؟ وهل يجب أن يأتي أول عون من السود للعرب من جنوب إفريقيا في فترة ما بعد الفصل العنصري ؟ وهذا أحد السيناريوهات على الأقل، فعندما تتحرر جنوب إفريقيا وتستقر أكثر ستدعو الدول والحكومات للقيام بمراجعة النظام العالمي الجديد. ويؤمل أن يكون على رأس أجندة تلك القمة تكوين آليات آفرو-أربية جديدة للتعاون في عصر العولمة، وإذا تم نسيان الماضي العربي الإفريقي فإنه يمكن تأسيس مستقبل عربي - إفريقي جديد يمكن أن يوفر الحماية من مخاطر الفصل العنصري الدولي.
خاتمة:
إننا نعيش في عصر يتأثر فيه فهم الناس لأنفسهم كثيراً بالقارة أو الإقليم الذي ينتمون إليه، فحتى الخمسينات كانت السياسة الرسمية لحكومة الإمبراطور هيلا سلاسي تركز على أن إثيوبيا هي جزء من الشرق الأوسط وليس جزءاً من إفريقيا. إلا أن الإمبراطور نفسه هو الذي أسس لسياسة إعادة أفرقة إثيوبيا عندما اقتربت بقية الدول الإفريقية من الاستقلال، ومنذ ذلك الحين بدأت المفاهيم الإثيوبية تتأفرق ببطء.
ولكن أوجه الشبه الثقافية بين إثيوبيا وبقية دول إفريقيا السوداء أكثر من أوجه الشبه بين دول شمال إفريقيا والجزيرة العربية، وعلى كل فإن القرار الأوربي بجعل إفريقيا تنتهي عند البحر الأحمر قد أدى إلى عدم أفرقة الجزيرة العربية وجعل الأهالي هناك يعتبرون أنفسهم عرب آسيويين وليس إفريقيين من الشمال.
وقبل انفصال البحر الأحمر تم انفصال إفريقي ا ليتكون البحر الأحمر فقد تصدعت القشرة الأرضية لقارة إفريقيا قبل عدة ملايين من السنين ليتكون البحر الأحمر، وكما أشرنا من قبل فإن هذا الشريط المائي الرفيع قد ساعد في تأكيد هوية أجيال كاملة من البشر يعيش على جانبي البحر الأحمر.
إلا أن التغيير الثقافي ظل يكافح لتضمين الأخدود الجيولوجي بين إفريقيا والجزيرة العربية، فهل نشأ الساميون في شرق أم غرب البحر الأحمر، وهل المواطنون في إثيوبيا العليا قد انحدروا أساساً من جنوب الجزيرة العربية؟ وهل جعل الإسلام من البحر الأحمر حداً غير فعال ثقافياً؟ وهل حان الوقت للتخفيف على الأقل من جبروت البحر المحدد للهوية أن تتم إزالة هذا الجبروت نهائياً؟، لقد سعينا لتأكيد إن إفريقيا والعالم العربي قد شرعاً ببطء في التوحد كإقليم واحد شاسع.
وعلى كل فإن جبروت البحر لهو جزء من جبروت انحياز الجغرافيا الأوربية تماماً كما قرر رسامو الخرائط الأوربيون أن تكون خريطة أوربا فوق خريطة إفريقيا بدلاً أن تكون أسفلها «وهذا قرار إيجازي بالنسبة إلى الكوكب»، كان باستطاعتهم أيضا أن يقرروا أيضا أن إفريقيا تنتهي عند البحر الأحمر وليس «الخليج الفارسي»، ألم يحن الوقت للخلاص إلى الأبد من هذا الجبروت المزدوج الذي يفرضه البحر والجغرافيا الأوربية؟.
وربما كان من الأصعب إقناع السكان في الجزيرة العربية فقد نشأوا ليفخروا بأنهم عرب آسيا وليس عرب إفريقيا وأنهم غير متلهفين ليكونوا أعضاء في الاتحاد الإفريقي الجديد حتى ولو كان بقيادة ليبيا، فهل هم على استعداد على الأقل لتقبل مفهوم الآفرو-أريبيا؟
وبما أن الامبراطور هيلا سلاسي استطاع أن يؤسس لإعادة أفرقة إثيوبيا وأن جمال عبد الناصر قد أحيا أيضا الإفريقية في مصر فليس من المستبعد تماماً إعادة النظر في هوية الجزيرة العربية، وفي إطار النظام العالمي الجديد ليست أوربا وحدها هي التي تمر بتجربة انهيار جدران التشرذم المصطنعة، كما أنه ليست الولايات المتحدة والمكسيك وكندا وحدها هي التي تسعى لقيام مجموعة اقتصادية كبيرة كما أنه ليست جنوب شرق آسيا وحدها هي التي تتعلم قبول الصين الهندية في صفوفها، فهنالك أيضا الآفرو-أريبيا التي يمكن تأسيسها بناء على قدراتها التاريخية مع ربط للغات والعقائد والهويات عبر الصحراء والبحر الأحمر في شكل انصهار تاريخي بين العروبة والإفريكانية في إطار النظام العالمي الجديد.
ولكن هل ستكون آفرو-أريبيا اتحاداً بين العرب الأغنياء والأفارقة الفقراء؟ في الواقع هناك دول غنية في إفريقيا والعكس صحيح.
فالثروات المعدنية في إفريقيا أكثر تنوعاً من تلك الموجودة في العالم العربي ولكن هنالك دولاً إفريقي ة مثل الكونغو ظلت تعاني من سوء الإدارة الاقتصادية أكثر من أية دولة في العالم العربي تقريباً.
ولسوف تضم آفرو-أريبيا المستقبل جنوب إفريقيا التي تخلصت من الفصل العنصري وهي أغنى ومتطورة صناعياً أكثر من أية دولة سواء في إفريقيا أو العالم العربي. ويمكن أن تكون آفرو-أريبيا المستقبل بقيادة الدول الغنية بالبترول أو المعادن وأن تكون هذه القيادة اقتصادية، ولكن في النظام العالمي الجديد حيث توضع المساواة والعدالة بين المجتمعات في الحسبان كما يحدث في البلدان الأخرى المتطورة فكرياً.
حقوق النسخ © بواسطة موقع جماعة أنصار السنة المحمدية بالسودان جميع الحقوق محفوظة.