في خطبته أمام قريش يوم الفتح العظيم ـ فتح مكة ـ سألهم النبي صلى الله عليه وسلم: (يامعشر قريش ما تروْن أنّي فاعل بكم ؟) قالوا: ( خيراً ، أخ كريم وابن أخٍ كريم ). قال: )اذهبـوا فأنتـم الطلـقاء ).
المشهد يومها كان مشهد قائد دانت له السيوف وطأطأت له الأعناق وأذل جبابرة قريش الذين ظلوا لفترة طويلة من الزمان يناصبونه العداء ... قتلوا أصحابه في أحد وحاصروه في شعب أبي طالب ويوم الخندق... وفي كل الأوقات كانوا يبثون الدعايات الكاذبة ضده ويشنون عليه حرباً إعلامية لا هوادة فيها فهو تارة في وصفهم مجنون وتارة أخرى ساحر وثالثة كاهن .... إلى غيرها من الأوصاف التي لو قيلت في حق أحدنا اليوم لاستشاط غضباً وأقام الدنيا ولم يقعدها.
كانت كل تراكمات المصائب والبلايا أمام عينيه صلى الله عليه وسلم يومها وها هو الآن قد ظفر بأعدائه.فما هو فاعل بهم ؟. إن التفكير العادي المجرد يقول: ستنصب المشانق وتفتح السجون أبوابها لاستقبال أعداء الأمس وتصفية حساب مرير تجرع أهواله الحبيب صلى الله عليه وسلم وأصحابه لسنوات طويلة.
ولكنه ها هنا يفاجئ ويعلن( العفو العام ) عن كل من ساهم وشارك وخطط ونفذ عمليات شريرة وحروب مهولة ضد الإسلام والمسلمين ولم يستثنِ أحداً غير بضع أفراد من مجرمي ومسعري الحرب. وهو هنا صلى الله عليه وسلم يقدم نموذج الحلم والصفح والعفو في درس رائع للبشرية كلها التي باتت لا تعرف حلماً ولا صفحاً.
الذين يتولون مقاليد الأمور اليوم ويصلون إلى كراسي السلطة ، بأي طريق كانت ـ انقلاب أو انتخاب أو وراثة أو محسوبية ـ يبدأون أول ما يبدأون بفتح الدفاتر القديمة واستخراج أسماء ( الأعداء) منها لتكون معاقبتهم بالويل والثبور وعظائم الأمور ... وهذا ( العدو) قد لا تكون جريمته إلا أنه لم يقف مع الحزب المعين أو الشخص المعين في انتخابات كذا التي جرت قبل عقدين أو ثلاثة من الزمان .. وهو الآن يجابه حظه التعس فقد استولى الخصم القديم على السلطة وجلس داخل المكتب الفسيح البيضاوي أو الدائري أو المربع أو ما شئت من الأشكال الهندسية.
ليت المسؤولين في كافة دول العالم الإسلامي و اللا إسلامي يفهمون هذا الدرس البليغ من الرسول صلى الله عليه وسلم ، ويعلمون أن الحلم والصفح هو الذي يبقى وأن السلطة ستزول وأن الملك والحكم لله يؤتيه من يشاء وينزعه ممن يشاء كيفما شاء وقتما شاء فهو وحده ـ سبحانه ـ الملك القهار لا معقب لحكمه ولا رادّ لقضائه.
حقوق النسخ © بواسطة موقع جماعة أنصار السنة المحمدية بالسودان جميع الحقوق محفوظة.