أحكام الآخرة ومنازل الناس فيها خاضعة لأمر أحكم الحاكمين وأعدلهم، أما نحن في الدنيا فمأمورون أن نحكم على كل منهج أو فرد بما حكم الله به عليه من غير إفراط ولا تفريط ونتقيد بالضوابط التي جاءت في مذهب السلف.
إن منهج السلف في التعاطي مع نصوص الوعيد المتعلقة بالحكم العام أو الوعيد في مسألة معينة وإنزال الحكم على الشخص المعين الذي تناوله الحكم، هو منهج سليم وسط مؤسس على القواعد الشرعية
فقد توعد الله تعالى في محكم تنزيله قاتل النفس بغير حق والزاني وآكل مال اليتيم، توعدهم جميعا بالنار.
00 ولكن هل يعني الحكم أن كل قاتل ومرتكب لجريمة الزنا وآكل لمال اليتيم سيدخل النار قطعا؟
00 وهل يجوز لنا أن نعتقد بوجوب النار فيمن نراه من هؤلاء المذنبين؟
الجواب:
إن مذهب السلف لا يقول بذلك؛ حيث يقرر أن النصوص الواردة بالوعيد بالنار في حق هؤلاء المذنبين إنما جاءت لتقرر حكم من فعل هذه المعاصي، أما تحقق هذا الحكم فيه وإنزال الوعيد وتنفيذه فيه فهو أمر متوقف على شروط لابد من تحققها وموانع لابد من انتفائها:
• فلا يستوي في مذهب السلف من يقتل النفس ظالماً معتدياً وليس له رصيد من الخير يكفر عنه هذا الجرم. بينما قد يقتل رجل نفساً مؤمنة متأولاً مجتهداً – كما كان من اقتتال الصحابة رضي الله عنهم – ويكون هذا الذنب في حقه مثل النقطة السوداء في بحر من الحسنات والأعمال الصالحة.
• وكذلك الفرق بين زان وزان، وشارب خمر وآخر، وسارق وسارق، وآكل مال يتيم ومثله.
• وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم لعن شارب الخمر، ومع هذا صح عنه النهي عن لعن الصحابي الذي شربها وجلده الحد، حيث لعنه بعضهم، فنهاه وشهد له بأنه يحب الله ورسوله.
فالسلف يرون أن المانع من تحقيق الحكم المطلق في هذا الصحابي (وهو الوعيد لشارب الخمر في الدنيا والآخرة) يرجع إلى حب الرجل لله ورسوله.
فمع اشتراك كل من المذنبين في منهج الوعيد المطلق لكل منهم، فإن الفروق بينهم حقيقة قائمة لاشك فيها. فالمنهج له حكمه والإفراد كل بحسب حاله؛ فشتان بين أن يتم تقويم الفكرة في ذاتها وتقويم حامليها كل على حدة.
حتى منهج السلف نفسه يتفاوت أصحابه فيه جداً، فمنهم من هو في غاية التمسك به قولاً وعملاً واعتقاداً ودعوة ومنهم من هو على الحد الأدنى منه.
وكذلك من ينتسب إلى منهج بدعي متوهما أنه المنهج الحق الذي يجب التزامه - مع أنه لا يوافقهم في مذهبهم لو عرفه حق معرفته – لا يجب أن يؤاخذ على فهمه وانتسابه حتى يبين له خطأه. فالذي اتبع أهل الضلال عن جهل أو خطأ أو حسن نية أو تأثر بهم دون أن يشعر فله حكم آخر يختلف عمن اتبعهم وهو يعرف ضلالهم وزيف منهجهم. فالله تعالى حاكم بالقسط ورحمته وسعت كل شيء وفضله أعظم من أن يحاط به.
حقوق النسخ © بواسطة موقع جماعة أنصار السنة المحمدية بالسودان جميع الحقوق محفوظة.